علم الاجتماع

إجراءات المجتمع الدولي لمعالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين

إجراءات المجتمع الدولي لمعالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين

اهتم المجتمع الدولي ممثلا في هيئة الأمم المتحدة بقضية اللاجئين منذ بروزها سنة 1948 ، حيث ُبحثت ونوقشت في جميع دوارتها، وأصدرت بشأنها عدة قرارات واجراءات، وكانت مضطرة في كل مرة أمام عدالة القضية وقانونيتها إلى تقرير حقهم في العودة إلى وطنهم، وذلك لأنه مطلب رسمي فلسطيني من خلال الهيئة العربية العليا.

وكان من أهم هذه القرارات القرار الصادر في 1948/21/11رقم 194،بمناسبة انعقاد الدورة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة ومما جاء فيه: ” أن الجمعية العامة تقرر أن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانه أن يفعلوا ذلك في اقرب وقت ممكن وأن يدفع تعويض عن أموال الذين يختارون عدم العودة إلى ديارهم وعن الخسائر أو الأضرار التي تلحق بها والتي تقتضي مبادئ القانون الدولي أو العدالة قيام الحكومات أو السلطات المسؤولة بتعويضها” .

و في ذات الدورة أكد القرار على إنشاء لجنة توفيق تابعة للأمم المتحدة، تتكون من ثلاثة أعضاء وهم الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وتركيا. وتقوم هذه اللجنة بالمهام التالية:

  • القيام بالوظائف التي يقوم بها الوسيط ألأممي في فلسطين والوظائف الموكلة ها من قبل الجمعية العامة أو مجلس الأمن.
  • اقتراح نظام دولي للأماكن المقدسة (بيت لحم – القدس) على أن تكون تحت الحماية المباشرة للأمم المتحدة.
  • السماح بعودة اللاجئين إلى ديارهم والحياة في سلام مع جيرانهم وأن يدفع لهم التعويض عن ممتلكاتهم.

لقد تحملت الأمم المتحدة مسؤوليتها ولو شكليا بأن أصدرت تعليماتها للجنة التوفيق بأن تقوم بواجبها تجاه اللاجئين الفلسطينيين، من حيث تسهيل عودتهم واعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي وكذلك دفع التعويضات وبالمحافظة على الاتصال الوثيق بمدير إغاثة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، ومن خلال الهيئات والوكالات المتخصصة في منظمة الأمم المتحدة.

تم تبني هذا القرار أثناء الجلسة العامة للجمعية الأممية رقم 168 ،ب 35 صوت مع القرار مقابل 15 صوتا ضد القرار ، في حين امتنع 8 أطراف عن التصويت.

وعموما فقد رأت لجنة التوفيق أن يكون حل المشكلة في نطاق أمرين:

  • أن تقبل حكومة إسرائيل عودة اللاجئين، بعدد معين من الفلسطينيين الذين ينتمون إلى فئات من الأشخاص بإمكانهم الاندماج في حياة دولة إسرائيل الاقتصادية والذين يرغبون في العودة إلى ديارهم والعيش مع جيرانه بسلام.
  • أن تقبل دولة إسرائيل كتعويض عن الأملاك التي تركها اللاجئون الذين لن يعودوا إلى ديارهم، دفع قيمة إجمالية تقدر حسب التخمينات التي يضعها مكتب اللاجئين التابع للجنة التوفيق على أن تعيين لجنة خاصة من الأخصائيين الاقتصاديين تؤلفها الأمم المتحدة لوضع تصميم للدفع يراعى فيه إمكانية إسرائيل المالية.

وما يلاحظ حصر حق العودة للفلسطينيين في عدد معين، فهذا لا يمثل حق العودة كحق شرعي ومصان وفق القرار194 ، لكل الفلسطينيين.

كما أن لإسرائيل الحق في تقرير أهلية كل لاجئ في الاندماج في حياتها الاقتصادية أو عدمه أما التعويضات المالية فإن إسرائيل لن تدفع تعويضات فردية خاصة لكل لاجئ بل ستدفع قيمة إجمالية دفعة واحدة حسب تصميم معين للدفع.

ولما لم تستطع لجنة التوفيق فرض منطقها على إسرائيل بإعادة اللاجئين، والسماح لهم بحق العودة، كما أن غياب السلام عن المنطقة حال دون تنفيذ حق العودة، وقام بن غوريون في 1948/08/01،بوضع سياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه اللاجئين”: عندما تكون الدول العربية مستعدة لتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل يمكن النظر في هذه المسألة لحلها بناء كجزء من التسوية العامة. وبالنظر إلى دعوانا المقابلة فيما يتعلق بتدمير الحياة والأملاك اليهودية، وبمصالح السكان اليهود والعرب على المدى الطويل، وباستقرار دولة إسرائيل، وبمدى ديمومة أساس السلام بينها وبين جيرانها، وبالواقع الفعلي للجماعات اليهودية في الدول العربية ومصيرها، وبمسؤولية الحكومات العربية عن حربها العدوانية وبمسؤوليتها القانونية عن التعويض، فكل هذه ستكون وثيقة الصلة بمسألة هل، والى أي حد، وبأية شروط، يتوجب السماح للقاطنين العرب السابقين في أرض إسرائيل بالعودة” ،والواضح أن بن غوريون ربط الاستقرار بمدى قبول العرب بوجود إسرائيل على أنه وجود طبيعي، بل هي الأصل، ومن ثمته السماح للعرب بالعودة إلى أرض إسرائيل. لذلك تعالت نداءات إسرائيل بضرورة توطين اللاجئين في البلدان العربية عن طريق ببرنامج للتنمية الاقتصادية في تلك البلدان ، فإن الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في دورتها الرابعة والمنعقدة بتاريخ ،1949/12/08أصدرت قرارا، رقم ب 302 ، يقضي بإنشاء الانوروا.

لقد عهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة لهيئة الإغاثة، الانوروا، بأن تقوم بالتعاون مع الحكومات العربية لتقديم الإغاثة المباشرة وتنفيذ برامج الأعمال وفق توصيات بعثة الأبحاث الاقتصادية، وبإنشاء صندوق توطين، تستخدم أمواله للمشروعات التي تطلبها أية حكومة في الشرق الأدنى وتوافق عليها وكالة الإغاثة بغية إعادة الاستقرار الدائم للاجئين، ومنه فمهمة الوكالة مهمة إنسانية خالصة.

لم تتبنى الجمعية العامة للأمم المتحدة أي نظام يحكم الانوروا لمهماتها، لذلك ترك للوكالة أن تقرر فئة الأشخاص الذين تشملهم المساعدة، ومع ذلك فقد عانت الوكالة من كبار المانحين والمساعدين بالضغط عليها سنة بعد أخرى، لأجل تقليص عدد المستفيدين من المساعدات، لذلك كانت الوكالة في كل مرة تضطر إلى تحديد وتغيير تعريف اللاجئ الفلسطيني قصد تقييد وضبط الإعانات والمساعدات وتسجيل عدد اللاجئين للاستفادة “، إن معايير قبول اللاجئين في قوائم الإغاثة هي وجوب أن يكونوا لاجئين حقيقيين عاشوا في فلسطين لمدة عامين أو أكثر قبل بدء الصراع إلى سنة 1948 ،وفقدوا بيوتهم وأسباب معيشتهم نتيجة ذلك الصراع. وقد أجريت وتجري إضافات إلى القوائم لإدخال المواليد الجدد، وكذلك الأشخاص الذين تعرضوا تحت ظروف معينة لفقدان دخلهم، وأهم أسباب حذف الأسماء من القوائم الوفاة، الهجرة، وكسب دخل يكفي لإعالة ذاتية”.

وعموما فيمكن حصر مهام وكالة الإغاثة في:

القيام بالتعاون مع الحكومات المحلية بالإغاثة المباشرة وبرنامج التشغيل بحسب توصيات بعثة المسح الاقتصادي؛

التشاور مع الحكومات المهتمة في الشرق الأدنى، في التدابير التي تتخذها هذه الحكومات تمهيدا للوقت الذي تصبح فيه المساعدة الدولية للإغاثة ولمشاريع التشغيل غير متاحة.

إن وكالة الانوروا هي الوكالة الوحيدة التي أنشأت لمعالجة مشكلة محددة من مشكلات اللاجئين، فقد كان تقديم المساعدات ضروري لتلافي أحوال المجاعة والبؤس، ودعم أوضاع السلام والاستقرار وكان عليها البدء ببرامج التشغيل العامة التي اقترحتها بعثة المسح الاقتصادي والتي تهدف إلى دمج اللاجئين في الحياة الاقتصادية في الشرق الأوسط، وبالتالي إخراجهم من قوائم الإغاثة.

وكانت لجنة التوفيق قد توالت اجتهاداتها في عدة اجتماعات في عواصم مختلفة بيروت، لوزان، باريس سنة ،.1949 ومن خلال التقارير التي تقدمت بها فإن اللجنة لم تصادف النجاح في النهوض بمهمتها الرئيسة في إعادة اللاجئين، لذلك ظلت القضية حاضرة في مختلف الدورات العامة للجمعية الأممية.

ففي تاريخ 1950/12/14أصدرت الجمعية العامة قرارها رقم 394 ، و أوزعت إلى لجنة التوفيق بتنفيذ العودة والتعويض، بعد أن لاحظت أنه لم يجر تنفيذ إعادة اللاجئين واعادة استيطانهم وتأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي ودفع التعويضات لهم، وأدركت أن مشكلة اللاجئين يجب أن تعالج كمسألة ملحة وذلك لمصلحة السلام والاستقرار في الشرق الأدنى، وحثت كل الأطراف للوصول إلى حل وتسوية نهائية لكل المشكلات، كما أوصت بإنشاء مكتب للجنة لأجل اتخاذ التدابير التي تراها اللجنة ضرورية لتقدير ودفع التعويضات المنصوص عليها في القرار 194 ، ووضع التدابير اللازمة لتنفيذ الأهداف الواردة في القرار194 ، ومواصلة الاستشارات مع
الفرقاء المعنيين بالإجراءات للمحافظة على حقوق اللاجئين وأملاكهم ومصالحهم.

كما دعت الحكومات المعنية إلى اتخاذ الإجراءات التي تضمن معاملة اللاجئين العائدين دون تمييز في القانون أو الواقع.

 وفي الدورة 28 للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة بتاريخ 7ديسمبر 1973 ،عبرت الأخيرة عن أسفها لعدم تنفيذ ما وردف بالقرار 194 ، بخصوص حق العودة، والمطالبة بزيادة التبرع للأنوروا.حيث ورد في الجزء “ب” من قراراها: ” نلاحظ مع الأسف العميق أن إعادة اللاجئين أو تعويضهم…لم ينفذا، ولم يتم إحراز تقدم ملموس في برنامج إعادة دمجهم إما بإعادتهم أو توطينهم..،. وان وضع اللاجئين لا يزال لذلك مدعاة إلى القلق الشديد”.

كما تضمن ذات الجزء”: الإعراب عن شكرها للمجهودات المبذولة من طرف موظفي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين على الجهود المخلصة والمتواصلة لتوفير الخدمات الأساسية للاجئين”.

غير أنه مع الأسف الشديد كانت في كل مرة تُعرقل مختلف الإج ارءات والق ار ارت المتخذة من قبل الأمم المتحدة، فقد اعترفت هذه الهيئة في دورتها السالفة الذكر بذلك، فقد جاء في أحد فقرارات القرار”: أكدت الأمم المتحدة من خلال هذا القرار على أن إسرائيل هي من أصرت على اتخاذ إجراءات تعرقل عودة السكان النازحين إلى ديارهم ومخيماتهم في الأراضي المحتلة، ومن ضمن ذلك…تشريد السكان ونقلهم بالقوة، وهدم المدن والقرى والبيوت، واقامة المستوطنات الإس ارئيلية، مخالفة بذلك أحكام اتفاقية جنيف الخاصة بحماية الأشخاص المدنيين في زمن الحرب… وتعتبر تلك الإجراءات باطلة ولاغيه” على الرغم من رفضها المستمر والمبدئي لقرار حق العودة أو الإسهام في تنفيذه إلا أن إسرائيل، شذت عن هذا الموقف المبدئي 3 مرات، وهذا من باب الشذوذ الذي يثبت القاعدة.

فالمرة الأولى من خلال برنامجها المحدود لجمع شتات العائلات المجزأة، وما لبث أن أوقفت العمل به. والمرة الثانية من خلال اقتراحها على لجنة التوفيق 1949 باستعدادها لاستيعاب اللاجئين المقيمين في قطاع غزة شرط أن تحتل ذلك القطاع.

أما المرة الثالثة عندما أعلنت سنة 1949 السماح لمائة ألف لاجئ بالعودة إلى فلسطين ، شرط أن يكون هذا جزء من تسوية شاملة للقضية الفلسطينية وصلح نهائي بين الدول العربية واس ارئيل. 

وبقيت إس ارئيل متمسكة ب أريها وموقفها حتى وان أبدت بعض التساهل وأقرنت ذلك التساهل بجملة من الشروط وهي :

  • أن يتم توطين اللاجئين في البلدان العربية توطينا نهائيا قبل دفع التعويضات.
  • أن تحظى إسرائيل بمساعدات مالية من الخارج تمكنها من دفع التعويضات.
  • أن تحسم من التعويضات التي ستقدمها إسرائيل قيمة أملاك اليهود الذين جاؤوا إليها من البلدان العربية.

وكانت إسرائيل تنظر للمسألة على أساس اقتصادي، يدخل ضمن إطار تنمية اقتصادية عربية تسمح بتوطين اللاجئين في البلدان العربية، ففي تقرير همرشولد الصادر في سنة 1959 ، يذكر أن اللاجئين الفلسطينيين عنصرا مفيدا للتنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط وأن إدماجهم في اقتصاديات المنطقة، إذا ما تم ضمن البرنامج الاقتصادي الشامل الذي يدعو إليه، يجعل منهم رصيدا إيجابيا بدلا من أن يكونا عبئا.

كما أن التقرير يجرد قضية اللاجئين عن إطارها العام ألا وهو قضية فلسطين.

ومما جاء به ذات المشروع:” من المسلم به عموما أن هذه العوامل ذات طبيعة نفسانية وسياسية واقتصادية وأن تفهم المشكلة من شأنه أن يكون أيسر وأسهل منالا، إذا ما نحن نظرنا في كل من هذه النواحي على حده، في البدء وانني سأشرع في تفحص الناحية الاقتصادية، لأن ذلك يشيد إطا ار عاما يمكن أن يصار ضمنه إلى النظر إلى الناحيتين السياسية والنفسانية نظرة أكثر جدوى”.

اعتقد أن هذه الرؤية تريد من عرب فلسطين أن يكونا خدما، عند غيرهم، ويقومون بأعمال السخرة، لصالح الاقتصاد الإسرائيلي، أو بمعنى آخر أيادي عاملة في خدمة الاقتصاد الإسرائيلي، غير أن العربي الفلسطيني لا يهتم بمثل هكذا طروحات وانما هدفه الأساسي هو العودة إلى الديار الفلسطينية، وأن يمارس شؤون التنمية الاقتصادية على أرضه، ولصالح كل أجياله المقبلة.

استنتاج عام:

خلاصة القول في هذه المقالة:

  • تعددت التعريفات الخاصة باللاجئين، غير أنها أهملت اللاجئ الفلسطيني، بسبب تكيل وكالة الإغاثة الانوروا، التي اعتبرت راعية لمصالح الفلسطينيين.
  • إن قضية اللاجئين الفلسطينيين، هي قضية إنسانية واجتماعية، جاءت نتيجة مآسي وممارسات استعمارية من قبل الحركة الصهيونية، حتمت على المجتمع الدولي التعامل معها في إطار إيجاد حلول ليست جذرية .
  • اعتمد المجتمع الدولي عدة إجراءات سياسية واجتماعية واقتصادية لمعالجة المسألة وخاصة القرار 194 ، وتشكيل لجنة التوفيق التي لم تستطع الضغط على إسرائيل أن تقوم وتنفذ ما أقرته الأمم المتحدة بخصوص حق العودة.
  • بقي مطلب حق العودة مطلب أساسي للاجئ الفلسطيني، على مر العصور والأزمنة، ومع هل من السهل العودة الفلسطيين الذين هم في ارض الشتات يتنعمون بأرغد، وأصبح لهم أرزاقا وكونوا أجيالا جديدة، وأصبحت لهم عائلات جديدة وأسر كبيرة في تلك البلدان العيش في، أم أن الأمر مجرد مطلب تاريخي لا يمكن التنازل عنه؟.
  • الجانب الإسرائيلي بقي متمسكا برؤيته الرافضة لمبدأ حق العودة، بل اعتبر وكالة الإغاثة الانوروا، حلا يرفع عنه الحرج، لأنها تمكنت من تقديم بعض المساعدات المادية للاجئين الفلسطينيين، بل أصبح هذا الجانب يسعى لتمكين العرب الفلسطينيين في باقي البلدان على أنهم يد عاملة يمنك أن يستثمروا في إحداث تنمية اقتصادية، وهذا ما قد تندثر بسببه فكرة حق العودة لدى اللاجئين أنفسهم.

المصدر:

د: ثامر محمد عبد الرؤوف 2014 . المجتمع الدولي والقضايا الإنسانية قضية اللاجئين الفلسطينيين– نموذجا.

تحميل الملف كامل PDF.

السابق
عوامل ظهور قضية اللاجئين الفلسطينيين
التالي
التعريف بالشيخ عبد الرحمن الأخضري ومنظومته

اترك تعليقاً