بيئة

الأصول الإسلامية للبيئة

الأصول الإسلامية للبيئة

يمكن حوصلة موضوع البيئة في الإسلام في ثلاثة أصول رئيسة هي:

الإنسان : الماء : الهواء

الأصل الأول : الإنسان

فالإنسان الذي هو محور الرسالة الإسلامية قد وضح القرآن أموراً كثيرة تتعلق به يمكن أن تصاغ كلها في أمرين رئيسيين هما:

  • أنه مستخلف في الأرض .
  • أن الكون كله مسخر له.

وناتج الربط بين هاتين الحقيقتين هو إعمار الكون وصلاحيته للحياة واستمراريتها فوق هذا الكوكب ، ولتوضيح هذه القضية المحورية في موضوع البيئة نذكر نظرة القرآن إلى هذين العنصرين وهما :

خلافة الإنسان في الأرض :

استخلف الله الإنسان في الكون ليدير موارده ويعمره ويظهر أسرار الله وقدرته في خلقه، وهي مهمة عظيمة أرادت الملائكة أن تختص بها وأرادها الله للإنسان تكريماً له ” وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ  “[1] “وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ “[2] ، وقد ذكر صاحب التحرير والتنوير أن :” المراد من الخليفة المعني المجازى وهو الذي يتولى عملا يريده المستخلف مثل الوكيل والوصي أي جاعل في الأرض مدبراً يعمل ما نريده في الأرض فهو استعارة أو مجاز مرسل وليس بحقيقة لأن الله تعالى لم يكن حالاً في الأرض ولا عاملا فيها العمل الذي أودعه في الإنسان وهو السلطة على موجودات الأرض، ولأن الله تعالى لم يترك عملا كان يعمله فوكله إلى الإنسان بل التدبير الأعظم لم يزل لله تعالى فالإنسان هو الموجود الوحيد الذي استطاع بما أودع الله في خلقه أن يتصرف في مخلوقات الأرض بوجوه عظيمة لا تنتهي خلاف غيره من الحيوان ” [3] ومن هنا فإن الخلافة هي تكليف بمهمة الانتفاع بموجودات الكون يكون الإنسان فيها سيدا في الكون لا سيدا للكون فسيد الكون وحاكمه ومالك أمره هو الله سبحانه وتعالي، ولأن الإنسان هو أحد مخلوقاته قد تميز بالعقل فقد كرمه الله وأنعم عليه بنعمة الاستخلاف تمييزاً له عن غيره من المخلوقات :” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا”[4]  فالاستخلاف معناه أن الإنسان وصى على هذه الأرض بكل ما فيها وليس مالكاً لها فهو مدبر لمواردها ومستغل لخيراتها ” هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا “[5]  .

وقد أثارت مسألة الخلافة قضية مهمة تتعلق بملكية الإنسان للموارد الطبيعية هل هي ملكية رقبة أم ملكية انتفاع ودارت مناقشات كثيرة مال فيها الكثير من الباحثين إلى أنها ملكية انتفاع وذلك للأسباب التالية :

1-      أن كثيراً من نصوص القرآن الكريم تضيف الملكية إلى الله سبحانه وتعالى :” آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ “[6]  “وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ “[7]  ” لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى “[8]  ” لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ “[9] .

يقول الشيخ شلتوت :” إذا كان المال مال الله، وكان الناس جميعاً عباد الله، وكانت الحياة التي يعملون فيها ويعمرونها بمال الله وهي لله، كان من الضروري أن يكون المال – وإن ربط باسم شخص معين – لجميع عباد الله، يحافظ عليه الجميع وينتفع به المجتمع”[10]  .

2- أن وجود الإنسان في هذه الحياة مؤقت واستخلافه فيها مؤقت أيضاً ولذلك كان انتفاعه بمواردها مؤقت ” وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ “[11]  وهذا التحديد الزمني للبقاء يترتب عليه تحديد للاستخلاف والانتفاع ومن هنا تبرز أحقية الأجيال المتعددة في الانتفاع بالموارد الطبيعية وضرورة أن يعي الإنسان هذه الحقيقة لكي يحفظ للأجيال التي بعده حقها في الانتفاع بما خلق الله في هذا الكون .

3- أن شعور الإنسان بملكيته الدائمة للموارد يثير فيه نوازع الأنانية ويدفعه إلى الفساد المؤدي إلى نضوب الموارد البيئية أو تدميرها وهو ما تشهده بيئتنا المعاصرة، ولذلك كانت تعاليم القرآن واضحة في النهي عن الفساد في الأرض” وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ “[12] ” وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا “[13]  ” وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ “[14].

من أجل ذلك عبر أحد الباحثين بقوله :” ولا نتجاوز روح التشريع الإسلامي إذا قلنا : إن القواعد والمبادئ الإسلامية المنظمة لاستخلاف الإنسان في الأرض ومضمونها، تنزل ” حق الإنسان ” على موارد الطبيعة من ” حق الملكية” ” إلى مرتبة” حق الانتفاع” فقط، والذي تقل فيه سلطات صاحبه عن سلطات المالك، ولا يبدو هذا القول غريباً إذا عرفنا أن بعض فقهاء المذهب المالكي يرون أن الملكية بوجه عام لا ترد إلا على المنافع فقط، أما الأعيان، أي موارد وثروات البيئة والكون الذي خلقه الله فملكيتها لله سبحانه وتعالي ولا ملك للإنسان فيها في الحقيقة والواقع فهم يقولون أن سلطان الإنسان لا يكون على المادة، وإنما محله منافعها فقط وفكرة حق الانتفاع تبدو أكثر ملاءمة إذا روعيت القواعد الشرعية في أعماله، حيث تؤكد من ناحية أن موارد البيئة وثرواتها هي عطاء من الله للبشر وفضل، وبالتالي لن يكون الانتفاع قاصراً على شخص دون آخر ومن ناحية أن المنتفع لا يجوز له إهدار أو تدمير أصل أو عين المال الذي ينتفع به، لأن سلطة التصرف الشرعي في المادة لا تكون للمنتفع بل لمالك العين أو الرقبة “[15] .

تسخير الكون للإنسان

تشير آيات كثيرة في القرآن الكريم إلى أن الكون قد سخره الله سبحانه للإنسان أي طوعه وذلله ليستطيع الانتفاع به والتصرف فيه والسيطرة على موارده ليحقق من خلاله الخلافة التي خلقه الله من أجلها، يقول الله تعالى:” هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ “[16]. “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ “[17] “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ”[18] وهكذا تتوالى آيات القرآن الكريم في ذكر ما سخره الله للإنسان في الكون حتى تكاد تذكر كل شئ فيه عدا ما اختص الله به مخلوقات أخرى ليس للإنسان سيطرة عليها، وهذا التسخير نعمة من نعم الله على الإنسان إذ لولاه لما استطاع أن يستفيد من كثير مما خلقه الله على هذه الأرض، يقول صاحب الظلال ” إن الأرض كلها لا تبلغ أن تكون ذرة صغيرة في بناء الكون والإنسان في هذه الأرض خليقة صغيرة هزيلة ضعيفة بالقياس إلى حجم هذه الأرض وبالقياس إلى ما فيها من قوى ومن خلائق حية وغير حية لا يعد الإنسان من ناحية حجمه ووزنه وقدرته المادية  شيئاً إلى جوارها ولكن فضل الله على هذا الإنسان ونفخته فيه من روحه وتكريمه له على كثير من خلقه هذا الفضل وحده قد اقتضى أن يكون لهذا المخلوق وزن في نظام الكون وحساب ، وأن يهيئ الله له القدرة على استخدام الكثير من طاقات هذا الكون وقواه ومن ذخائره وخيراته وهذا هو التسخير المشار إليه في الآيـة[19] .

ولبيان كيفية التسخير التي هيأها الله للإنسان يذكر الإمام الرازي أنه لكي يستطيع الإنسان استعمال البحر واستغلاله لابد له من ثلاثة أشياء لم تكن لتحصل لولا تسخير الله سبحانه وتعالى لها : الأولى الرياح التي تجري على وفق المراد، والثانية : خلق وجه الماء على الملامسة التي تجري عليها الفلك والثالثة : خلق الخشبة على وجه تبقي طافية على وجه الماء ولا تغوص فيه، وهذه الأحوال الثلاثة ليس لها من موجد إلا الله سبحانه وتعالى[20]

إن نظرة في آيات التسخير الواردة في القرآن الكريم عامة كانت أو مفصلة تنبؤنا بأمور عدة منها :

  • أن هذا التسخير المذكور في الآيات محدود بإرادة الله ولا يستطيع الإنسان مهما أوتى من قوة مادية أو علمية وتقنية أن يصل إلى الاستفادة منها إلا إذا أراد الله له ذلك:” يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ “[21] ” اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ “[22]. وإدراك هذا المعنى يحد من أنانية الإنسان واستكباره في الأرض وادعائه التأله فيها، وكثير من أمور الحياة يقف الإنسان عاجزاً عن حل معضلاتها ومن ذلك الماء مثلا الذي أصبح مشكلة العالم المستقبلية نظراً لنضوب موارده وعدم قدرة الإنسان على صنعه، ولذلك يستخدمه الله سبحانه وتعالى في تحدى الإنسان إذا أمعن في كفره وعناده :” أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ  أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ  لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ “[23]، وذلك بعد أن جعل الله الماء نعمة مسخرة للإنسان ” وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ “[24] .
  • أنه على الرغم من التسخير الذي حفلت به آيات القرآن الكريم إلا أن الإنسان يجب أن يدرك أن هناك عوالم في هذا الكون ليس له سبيل إلى معرفتها وتظل مخفية عنه وخارجة عن سيطرته كالجن وغيرها من المخلوقات التي لا يستطيع الإنسان إدراكها وكذلك بعض الفيروسات والظواهر الطبيعية التي لم يسخر الله للإنسان طريقاً للتعامل معها ، وهنا نشير إلى أن مسألة التسخير فضل من الله سبحانه وتعالى على الإنسان فما سخره له استطاع أن يستفيد منه وأن يعمر الكون من خلاله وما لم يسخر له كان عليه أن يقف أمامه مؤمناً بقدرة الله وعظيم صنعه .
  • إذا كان التسخير الإلهي لمظاهر الكون للإنسان نعمة فهي إذا حق من حقوقه التي منحه الله إياها يستطيع من خلاله الانتفاع بكل ما فيها لصالح بناء مجتمعه ويعمر من خلالها الكون الذي يعيش فيه ويفيد الإنسان والمخلوقات التي تعيش معه على هذا الكون، كما أن هذا الحق يمتد ليشمل البحث العلمي عن خواصها وأسرارها وكل ما يستطيعه لتطوير مواردها لخدمة الإنسان ولعل النظر في آيات التسخير التفصيلية توضح هذه الحقوق بجلاء إذ يقول الحق تبارك وتعالى :” فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا  ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا  فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا  وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا  وَحَدَائِقَ غُلْبًا  وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ “[25]  “وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ “[26] ” وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ “[27] ” أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ “[28]  .

الأصل الثاني : الماء

وهو معجزة إلهية عجز البشر حتى هذه اللحظة عن الوصول إلى صنعها على الرغم من أنها أساس الحياة في كل شئ ” وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَي “[29] ولأهميته في الحياة ودوره في كافة مكونات البيئة فقد استخدمه القرآن أداة في المحاورة العقدية فقال:” الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ “[30] كما استخدمه القرآن في تحدى البشر وردعهم عن تجاوز قدرة الله وعدم الاعتراف بنعمته فقال :” قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ “[31] ” أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ  أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ  لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ “[32] ولأنه أساس الحياة فقد منع الإسلام احتكاره وجعله مشاعاً بين الناس ففي السنة :” الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار “[33] كما نهى الإسلام عن تلويثه والأضرار بموارده ، روى ابن ماجه أن النبي r مر بسعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ فقال له : لا تسرف، فقال: أو في الماء إسراف ؟! قال : نعم وإن كنت على نهر جار “[34]  ونهى رسول الله r ” أن يبال في الماء الجاري “[35].

وقد أشار القرآن الكريم إلى كثير من القضايا التي تتعلق بالماء والتي لها ارتباط بحياة الإنسان وخلافته في الأرض نذكر منها ما يلي :

1- أنه أساس في حياة كل كائن حي :” وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون “[36]  تقول الدراسات ” أن نسبته في أجسام الأحياء النشطة تصل إلى 90% فهو الذي يحمل الغذاء والهواء إلى هذه الأجسام وهو في ذات الوقت المخلص لها من النفايات الضارة “[37] .

2- أن نزوله إنما يكون بقدر بحيث يحدث التوازن الذي لا يضر الكائنات الحية فلو زاد نزوله لغرقت الأرض وأتلفت النباتات وصار مشهد الحياة مضطربا كما هو الحال في الفيضانات والأعاصير المدمرة التي يشهدها العالم الآن، ولو قل نزوله لشحب وجه الأرض وتشقق وماتت النباتات والحيوانات كما يحدث في المناطق التي تصاب بالجفاف والتصحر ولذلك فحكمة الله وإرادته اقتضت أن يكون نزوله بقدر حيث قال:” وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ “[38] ” أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا “[39]” ” وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا “[40] .

  • يشير القرآن إلى أن الماء قد يكون عقوبة لمن كفر بآيات الله وأعرض عن إيمانه وتحدى قدرته :” فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ “[41]  وقد يكون مكافأة للإنسان إذا التزم بأوامر الله واتبع تعاليمه . ” وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا “[42]  .
  • يذكر القرآن الماء كأحد المعجزات الكبرى التي خلقها الله سبحانه وتعالى ويقرنها مع دلائل أخرى تشير إلى عظيم صنعه فيقول :” خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ  هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ “[43] .

الأصل الثالث : الهواء

لا نريد التعرض للتركيبة العلمية للهواء وما يتضح فيها من دقة في الخلق وتوازن في العناصر تدل على عظمة الخالق وعظيم صنعه، ولا نريد التحدث عن الغازات والعناصر والمركبات الكيميائية وكيفية تناغمها حتى تنتج هــواء نقياً لا تستقيم الحياة ولا توجد بدونه في كل مكونات البيئة ” صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ “[44]  ولكن الذي تجب الإشارة إليه هو أن المخلوط الغازي المسمى بالهواء عنصر أساس في حياة الكائن الحي كالماء لا يمكن أن يحيا الإنسان أو الحيوان أو النبات بدونه، وهو عرضة للتلوث بفعل التعامل البشري الخاطئ بما يستعمله الإنسان أو ينتجه من غازات وأبخرة تجعله غير صالح للحياة ومؤثر فيها سلباً وهو ما يهدد الحياة على وجه الأرض، ويشهد العالم المعاصر مشكلات كبرى ناتجة عن تلوث الهواء بسبب عدم قدرة الإنسان على ضبط تعامله مع محيطه وهو ما أشار إليه القرآن حين قال :” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ”[45] ولذلك وحماية من الإسلام للبيئة فقد أمر بالاعتدال في السلوك حين التعامل مع الطبيعة خاصة “كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ “[46] .

والناظر للتركيبة العلمية للغلاف الجوي المحيط بالأرض يدرك معنى قوله تعالى ” وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ “[47]  فالله سبحانه وتعالى خلق لهذا الكوكب ما يحفظه من المؤثرات التي لو أصابته لانتهت الحياة فوقه ” خلق كل شئ فقدره تقديراً “[48] ” رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ “[49] وما يشهده عالمنا من أخطار طبقة الأوزون دليل على ذلك، والتي يلعب الإنسان دوراً رئيساً فيها بما يحدثه من تدمير للبيئة وتلويث لمكوناتها مما يتسبب عن تصاعد أبخرة ودخان يدمر توازنات العناصر الهوائية، ولذلك جعل القرآن الدخان من العذاب الأليم حين قال :” فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ “[50] .

وهكذا نجد أن البيئة بأصولها ومكوناتها المختلفة حاضرة في القرآن الكريم للدلالة على قدرة الخالق وبديع صنعه ولإثبات ضعف المخلوق وعدم قدرته حتى على المحافظة عليها، وحاضرة في صون القرآن لها بالأوامر والنواهي التي تحفظها من أنانية الإنسان واستغلاله السيئ لها، ومن هنا يتبين أن الإسلام قد اهتم بالبيئة من خلال منظومة فكرية متكاملة تجمع مختلف الجوانب العقدية والاقتصادية والاجتماعية .

[1]      سورة البقرة الآية 30.

[2]      سورة الأنعام الآية 165.

[3]      محمد الطاهر بن عاشور / التحرير والتنوير / ج1/ص 398/ الدار التونسية للنشر / 1984.

[4]      سورة الإسراء الآية 70.

[5]      سورة هود الآية 61.

[6]      سورة الحديد الآية 7.

[7]      سورة النور الآية 33.

[8]      سورة طه الآية 6.

[9]      سورة المائدة الآية 120.

[10]    محمود شلتوت/الإسلام عقيدة وشريعة/ص257.

[11]    سورة البقرة الآية 36.

[12]    سورة القصص الآية 77.

[13]    سورة الأعراف الآية 56.

[14]    سورة الأعراف الآية74.

[15]    أحمد سلامة / حماية البيئة في الفقه الإسلامي / مجلة الاحمدية / مايو 1998 / دبي / ص 295.

[16]    سورة النحل الآية 10- 14.

[17]    سورة الحج الآية 65.

[18]    سورة البقرة الآية 164.

[19]    سيد قطب : في ظلال القرآن / ط 6 / مج 5  / ص 223.

[20]    تفسير الفخر الرازي : محمد بن عمر الرازي / دار إحياء التراث العربى / ج 1 / ص 4023 .

[21]    سورة الرحمن الآية 33.

[22]    سورة الجاثية الآية 12.

[23]    سورة الواقعة الآية 68-70.

[24]    سورة ق الآية 9-10.

[25]    سورة عبس الآية 24-30.

[26]    سورة ق الآية 8-9 .

[27]    سورة البقرة الآية 164.

[28]    سورة الزمر الآية 21.

[29]    سورة الأنبياء الآية 30.

[30]    سورة البقرة الآية 22.

[31]    سورة الملك الآية 30.

[32]    سورة الواقعة الآية 68.

[33]    رواه ابوداوود/ج2/ص53.

[34]    رواه ابن ماجه.

[35]    رواه الطبراني بإسناد حسن.

[36]    سورة الأنبياء الآية 30.

[37]    د.محمد منير حجاب /قضايا البيئة من منظور اسلامي / دار الفجر/ القاهرة/ص57.

[38]    سورة المؤمنون الآية 18.

[39]    سورة الرعد الآية 17.

[40]    سورة الزخرف الآية11 .

[41]    سورة القمر الآية 12.

[42]    سورة الجن 16.

[43]    سورة لقمان الآية 10.

[44]    سورة النمل الآية 88.

[45]    سورة الروم الآية 41.

[46]    سورة البقرة الآية 60.

[47]    سورة الأنبياء الآية 32.

[48]    سورة الفرقان الآية 2.

[49]    سورة آل عمران الآية 191.

[50]    سورة الدخان الآية 10-11.

السابق
مفهوم البيئة
التالي
الديانات والبيئة

اترك تعليقاً