علم الاجتماع

التفاوت الاجتماعي

التفاوت الاجتماعي

يشكل التفاوت الاجتماعي مظهرا من مظاهر الحراك الاجتماعي، وتحول في البنية الاجتماعية، ويقصد به ذلك الاختلاف والتباين الكبير والواسع في المراكز الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية بين أفراد المجتمع، وزيادة الفجوة بين فئات المجتمع الواحد، مما يؤدي إلى تشكل طبقات متمايزة تتسم بالعزلة والانغلاق على نفسها. هذه الطبقات تنشأ نتيجة للتفاوت في الممتلكات والسيطرة على الموارد المادية والحصول على الفرص التعليمية والوظيفية. والتفاوت الاجتماعي كحراك اجتماعي ينتج عنه اختلالات في نسيج العلاقات الاجتماعية والمنظومات القيمية والمعيارية وعدم تجانس في البنية الاجتماعية، وبالتالي إضعاف التماسك الاجتماعي وروح الانتماء والولاء للجماعة.

وقد اختلفت المدارس الفكرية في دراسة وتحليل ظاهرة التفاوت الاجتماعي، حيث حللت كل منها هذه الظاهرة حسب إطارها المرجعي ومنطلقاتها الأيديولوجية. فكارل ماركس K. Marxيرى أن الانقسامات الطبقية مبنية على ملكية وسائل الإنتاج، فتتشكل على أساس ذلك طبقتان أساسيتان: الرأسماليون الذين يملكون وسائل الإنتاج، والطبقة العاملة التي يبيع أعضاؤها قوة عملهم، هذه الطبقة العاملة – وفقاً لتصور ماركس- تنتج أكثر مما تكسبه، مما ينتج عنه فائض القيمة، الذي يشكل مصدر أرباح الرأسماليين. والفلسفة الماركسية تلغي التفاوت في توزيع الدخل بإلغائها للملكية الفردية بوصفها مستغلة في جميع صورها، وتأكيدها فقط على الملكية الجماعية وتطبيق المساواة في المستوى المعيشي بين الناس. ومن جملة الانتقادات التي وجهت للماركسية إهمالها لحافز الربح والغاء وجود الفرد وحريته في التملك. كما أن مصير الطبقات الوسطى يشكل إحدى نقاط النقد الهامة للتحليل الماركسي لتطور الطبقات في المجتمعات الرأسمالية الحديثة، ففي حين تنبأ ماركس بأن الهوة الاجتماعية بين الطبقتين الرئيسيتين: البرجوازية والبروليتاريا سوف تزداد اتساعا وأن الشرائح الوسطى من السكان سوف تختفي في غمار هذه العملية إلا أن الهوة بين البرجوازية والبروليتاريا لم تتسع بالشكل أو الآثار التي تصورها ماركس، كما أن الطبقة المتوسطة بقيت وتدعمت في تلك المجتمعات.

وفي مواجهته للنظرية الماركسية أولى ماكس فيبر Max Weberأهمية كبيرة لعنصر “الهيبة الاجتماعية” القائم على المهنة والاستهلاك وأسلوب الحياة كعنصر للتدرج الطبقي، حيث ركز فيبر في دراسته للتفاوت الاجتماعي على الفرص المتاحة للفرد للاستفادة من المنافع التي يقدمها أي مجتمع، فبالإضافة إلى جانب ملكية وسائل الإنتاج من عدمها، يمتلك الأفراد خبرات ومؤهلات تضعهم في مواقع متباينة داخل السوق، فيستخدم فيبر مصطلح الطبقات الاقتصادية – والتي يزيد عددها عن الطبقات الاجتماعية- وهو ما يفسر وجود ارتفاع في التحول من موقع اقتصادي إلى آخر مقارنة بالثبات النسبي في التحول من طبقة اجتماعية إلى أخرى. واستخدم ماكس فيبر أربعة معايير في تحديد التفاوت الاجتماعي وهي:

  • الموقع الاقتصادي: يتضمن الثروة والممتلكات والدخل والمهنة وظروف العيش.
  • فرصة الحياة: تتضمن مكافآت الحياة والتحصيل الدراسي والخبرات.
  • المكانة الاجتماعية: تشير إلى الاعتبار الاجتماعي والمفاضلة.
  • الحزب السياسي: يشير إلى القدرة الاعتبارية لأعضاء الحزب في ممارستهم للنفوذ كوسيلة للتأثير.

أما بالنسبة لبيار بورديو ،Pierre Bourdieuفيمثل مفهوم ال أرس المال مفهوماً مركزياً في مشروعه النظري، وقد وسع فكرة رأس المال المطروحة في علم الاقتصاد وفي النظرية الماركسية، بحيث أصبح لا يقتصر فقط على البعد الاقتصادي “الكلاسيكي” وانما يتجاوز ذلك الى أبعاد أخرى متنوعة، فهناك عدة صور لرأس المال، مثل رأس المال الثقافي، ورأس المال الاجتماعي، ورأس المال الرمزي. وعلى الرغم من أن هذه الأشكال من أرس المال تعد أقل وضوحاً من أرس المال الاقتصادي، إلا أنها تشترك معه في العديد من السمات، فهي تمثل قيمة لحامليها، وتتصف بالتراكمية، ويمكن أن تستثمر بحيث يمكن أن تنتج منافع أو مزايا أخرى. ويرى بورديو أن الصور غير الاقتصادية لرأس المال تلفت الانتباه إلى أشكال أخرى خفية من إعادة انتاج التفاوت الاجتماعي.

أما فيما يتعلق بالبناء الطبقي للبلدان النامية، فقد أشار الباحثون إلى تميز الوضع الطبقي في هذه المجتمعات بوجه عام، بالانتشار الواسع النطاق للح ارك الاجتماعي، وان كان ذلك لعوامل تختلف جوهريا عن عوامله في البلاد المتقدمة. فالحراك هنا ليس بالدرجة الأولى تعبيرا عن ترقي الفرد في سلم مهنة معينة أو في تدرج طبقي معين، أي أنه غير مرتبط بتغير طريق الانتاج، وانما نتيجة لتواجد عدة تشكيلات اقتصادية متداخلة ومتشابكة لفترة طويلة من الزمن. فالبناء الطبقي للبلاد النامية يضم بعض فئات وطبقات المجتمع الرأسمالي المعاصر كالبرجوازية والبروليتاريا الصناعية والفئات المتوسطة التي ظهرت مع التطور الرأسمالي، مثل المشتغلين بالإدارة والمثقفين والضباط.. وفضلا عن ذلك، تعرف البلاد النامية طبقات وفئات ترتبط بمرحلة انتقال النشاط الاقتصادي من قبل الرأسمالية إلى الرأسمالية . والى جانب البرجوازية البيروق ارطية، هناك برجوازية جديدة صاعدة ارتبط ظهورها بالمضاربات العقارية واتساع اقتصاد العملة، والسمسرة وتجارة المخدرات، وتعتبر هذه البرجوازية مصدرا من مصادر الفساد والرشوة وتعاظم أعمال التهريب والاحتيال والنصب المالي، إنها شرائح تعيش أساسا على الصفقات وعلى توسيع نطاق السوق السوداء والنهب والأعمال غير المشروعة في إطار استغلال العلاقات الوظيفية القائمة.

انطلاقا مما سبق، يتضح لنا أن التفاوت الاجتماعي يشكل مظهرا من مظاهر الحراك الاجتماعي، ينتقل من خلاله الأفراد من موقع إلى آخر في المجتمع، وغالبا ما تكون المواقع التي ينتقل إليها الأفراد متدرجة عبر قيم تدريجية محددة؛ فالمجتمع يتيح للفرد أن يرتقى طالما تملَّك القد ارت والكفاءات التي يرتقى بها، تاركاً أولئك المتعثرين عن تملك هذه القدرات في مراتب متدنية على السلم الاجتماعي. من خلال ما تقدم، يتضح أن هناك نوعان من آليات الحراك والارتقاء الاجتماعي وهما:

  • آليات ارتقاء اجتماعي مشروعة: تخضع لقواعد تحظى بالاتفاق النسبي لأفراد المجتمع، وتتماشى والقيم والمعايير الأخلاقية السائدة، اضافة إلى ارتكازها على أسس مقبولة اجتماعيا وقانونيا، ومن أبرزها؛ التعليم، العمل والمثابرة، الكفاءة والفعالية، الابداع والابتكار. وفي هذا الاطار نجد الدين الاسلامي يدعم ويعزز قيمة الكسب الحلال، فهناك العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تمجد هذه القيمة.
  •  آيات ارتقاء اجتماعي غير مشروعة: ترتكز على أسس غير مقبولة اجتماعيا وأخلاقيا وغير مشروعة قانونا، وعادة ما يكون هذا الارتقاء الاجتماعي مرتبط بالتشكل السريع لثروات ضخمة بطرق مشبوهة وغير شرعية كالتهريب، الاجرام المنظم، الاختلاس، الفساد والرشوة…

ومن هذا المنطلق، فإنه من المفيد التأكيد على أن آليات الارتقاء الاجتماعي المشروعة تشكل أساس قيام مجتمع متقدم وقوي، فهي تشجع على الكد والمثابرة والابداع والتميز الايجابي، مما يسمح ببروز الكفاءات والمواهب، في المقابل تعمل آليات الارتقاء الاجتماعي غير المشروعة على بروز تفاوت اجتماعي يفتقد إلى أسس مشروعة تبرره، مما يودي إلى اختلال سلم القيم السائد في المجتمع.

المصدر:

د. حســـــــان تريـكــــي 2014 .  دور التهريب في تكـريس التفــاوت الاجتماعي واختلال منظومة القيم الاجتماعيـة: رؤية سوسيولوجية.

تحميل الملف كامل PDF.

السابق
العلاقة التفاعلية بين السياحة البيئية والتنمية المستدامة
التالي
دور التهريب في بروز التفاوت الاجتماعي

اترك تعليقاً