علوم قانونية

الحكم في طلب استعجال التسبيق المالي

الحكم في طلب استعجال التسبيق المالي

يفرض بحث الحكم الصادر في طلب استعجال التسبيق المالي، التطرق إلى سلطات القاضي في هذا الحكم، وطرق الطعن فيه.

1 . سلطات القاضي في الحكم

يتمتع قاضي الاستعجال عند نطقه بالحكم في طلب الاستعجال التسبيقي بسلطتين أساسيتين هما سلطة منح التسبيق للمدعي أو منعه، وسلطة تقييد منح التسبيق بتقديم ضمان.

1-1 . سلطة منح التسبيق أو منعه

يتمتع قاضي الاستعجال بسلطة منح التسبيق المالي المطلوب إلى المدعي أو رفض منحه، وذلك بحسب ما إذا ثبت له وجود أو غياب منازعة جدية حول وجود الدين.

وعليه، إذا تكشف للقاضي من التحقيق أن الدين المدعى به منازع في وجوده بصفة جدية، فإنه يرفض طلب المدعي، أ ّما إذا ظهر له أن هذا الدين ثابت ولا تعتريه منازعة جدية، فالسؤال المطروح هو ما إذا كان القاضي يتمتع بسلطة مقيدة أو تقديرية في منح التسبيق في هذه الحالة؟

يظهر من قرا ءة المادتين 942من ق.إ.م.إ و R.541-1من قانون العدالة الإدارية الفرنسي أن صياغتهما جاءت على سبيل الجواز وليس الأمر: “يجوز لقاضي الاستعجال (…”)، وهو أمر قد يفهم منه أن القاضي يملك الحرية لمنح التسبيق أو منعه رغم توافر
شروطه. نرى أن سلطة القاضي في منح التسبيق في هذه الحالة هي سلطة مقيدة، بمعنى أنه ملزم بإجابة المدعي إلى طلبه بمنح التسبيق، وسندنا في ذلك الاعتبارات الآتية:

  • أن عبارة “يجوز لقاضي الاستعجال” لا ينبغي حملها على أنها تعطي للقاضي سلطة تقدير منح التسبيق من عدمه رغم قيام شروطه، بل يتمثل الهدف منها فقط في تحديد سلطة القاضي، من خلال الاعتراف له بصلاحية منح التسبيقات المالية؛
  • أن أي اعتراف بهذه السلطة للقاضي يجب أن يؤسس على اعتبارات المصلحة العامة، كما جرى تكريسه مثلا في قضاء وقف التنفيذ الاستعجالي، ولا يوجد في قضاء الاستعجال التسبيقي، بحكم تعلقه بمبالغ مالية فقط، أ ْي بقضاء الحقوق وليس بقضاء المشروعية، أي مصلحة عامة قد تبرر رفض منح التسبيق رغم قيام شروطه. ومن ثم يكون من شأن منح أي سلطة تقديرية للقاضي في هذا الإطار أن يحول وظيفته من الحكم في الطلب وفق ما يقتضيه القانون إلى التحكم فيه؛
  • أن هذا الحل (السلطة المقيدة للقاضي) قد أعمله القاضي الإداري الفرنسي في قراراته.

وإذا كانت سلطة القاضي في منح التسبيق، إذا كان الالتزام غير منازع فيه بصفة جدية، مقيد ًة، فإنه يتمتع بسلطة تقديرية في تحديد مبلغ التسبيق المطلوب شريطة ألاّ يتجاوز مبلغ الدين المحتج به من المدعي. وهكذا، يمكن للقاضي منح المدعي تسبيقا ماليا مساويا للمبلغ الإجمالي للدين المدعى به، إذا كان الدين في مجموعه غير منازع فيه بصفة جدية، وفي هذه الحالة ينتفي عن المبلغ المحكوم به وصف التسبيق، كما يمكنه منح تسبيق مساو فقط لجزء من مبلغ الدين المدعى به، إذا كان هذا الأخير منازع في جزء منه فقط بصفة جدية.

كما يملك القاضي، من ناحية ثانية، سلطة إقران مبلغ التسبيق المحكوم به بالفوائد التأخيرية المستحقة.

2-1. سلطة تقييد منح التسبيق بتقديم ضمان

تنص المادتان 2/942من ق.إم.إ و R.541-1الفقرة الثانية من قانون العدالة الإدارية الفرنسي على أنه يجوز لقاضي الاستعجال، ولو تلقائيا، أن يخضع دفع التسبيق المالي إلى المدعي لتقديم ضمان ،la constitution d’une garantieوعليه يتمتع القاضي بسلطة تقييد منح التسبيق بتقديم ضمان إ ّما بمبادرة تلقائية منه، أو بناء على طلب الأطراف.

يتمثل الهدف من الضمان في تأمين المدعى عليه ضد خطر عدم إمكانية استرجاعه مبلغ التسبيق المدفوع أو جزء منه، في حالة ما إذا نطق قاضي الموضوع لاحقا بعدم وجود الدين كله أو جزئه في ذمة المدعى عليه، وكان المدين غير مليء من الناحية المالية.

وعليه، يأخذ القاضي في اعتباره معيارين أساسيين لتقرير النطق بالضمان من عدمه هما:

  • مقدار مبلغ التسبيق المحكوم به، حيث كلما كان هذا المبلغ كبيرا، زادت الحاجة إلى الأمر بالضمان والعكس؛
  • مدى رجحان خطر عدم ملاءة المستفيد من التسبيق ماليا.

2 . الطعن في الحكم الصادر في طلب استعجال التسبيق المالي

1-2 . الطعن بالاستئناف

تطبيقا لنص المادتين 943من ق.إ.م.إ و R.541-3من قانون العدالة الإدارية الفرنسي، يكون الأمر الصادر عن المحكمة الإدارية سواء كان إيجابيا (بمنح التسبيق) أو سلبيا (رفض الطلب) قابلا للطعن بالاستئناف أمام مجلس الدولة (في النظام القانوني الجزائري) أو المحكمة الإدارية الاستئنافية (في النظام القانوني الفرنسي) خلال خمسة عشر ( 15 ) يوما من تاريخ تبليغه. ويكون الاستئناف في هذه الحالة مقبولا إذا توافرت شروطه، لاسيما ما تعلق منها بوجوب صدوره عن أحد أطراف طلب التسبيق، وعدم انتفاء محله، كما في حالة تقديمه بعد الفصل في الدعوى الموضوعية مثلا.

وبالنسبة لسلطات قاضي الاستعجال بالجهة الاستئنافية، فله أن يتصدى للطلب من جديد من حيث الوقائع والقانون. وهكذا، يمكنه في حالة استئناف أمر الرفض أن يأمر، تطبيقا لنص المادة 944من ق.إ.م.إ، بمنح تسبيق مالي إلى الدائن الذي طلب ذلك ما لم ينازع في وجود الدين بصفة جدية، كما يجوز له ولو تلقائيا أن يخضع دفع هذا التسبيق لتقديم ضمان.

أما في حالة استئناف الأمر بمنح التسبيق، فقد أعطى المشرع بمقتضى المادة 945من ق.إ.م.إ سلطة الأمر بوقف تنفيذ هذا الأمر، إذا كان من شأن تنفيذه أن يؤدي إلى نتائج لا يمكن تداركها، وإذا كانت الأوجه المثارة ضده تبدو من خلال التحقيق جدية، ومن طبيعتها أن تبرر إلغاءه ورفض الطلب. ونفس الأمر بالنسبة للمشرع الفرنسي، الذي أعطى بدوره هذه المكنة لكل من قاضي الاستئناف (المحكمة الإدارية الاستئنافية) وقاضي النقض (مجلس الدولة،) لكون أن الأوامر الصادرة في مادة التسبيق المالي في فرنسا تخضع، خلافا لما هو مقرر في النظام القانوني الجزا ئري، زيادة على الطعن بالاستئناف إلى الطعن بالنقض.

2-2 . الطعن بالنقض

أخضع المشرع الفرنسي بمقتضى المادة R.541-5الفقرة الثانية من قانون العدالة الإدارية أوامر التسبيق المالي الصادرة عن محاكم الاستئناف الإدارية إلى طريق الطعن بالنقض خلال أجل خمسة عشر (15) يوما من تاريخ تبليغها.

أما في الجزائر، فلا تقبل هذه الأوامر مثل هذا الطريق للطعن لسببين أساسيين هما:

  • أنها تصدر عن المحاكم الإدارية بصفة ابتدائية، في حين يفترض الطعن بالنقض صدور الحكم في آخر درجة؛
  • بالنسبة للأوامر التي تصدر عن مجلس الدولة في آخر درجة، أي بعد الطعن بالاستئناف، فإنه لا يتصور كذلك خضوعها للطعن بالنقض أمام الهيئة نفسها؛ لأن هذا الأخير يلزم النظر فيه من جهة قضائية أعلى من الجهة التي أصدرت الحكم المطعون فيه.

المصدر:

د/.بشير الشريف شمس الدين و د/.لعقابي سميحة 2020 .  قضاء الاستعجال في مادة التسبيق المالي: مقاربة مقارنة بين القانونين الجزائري والفرنسي.

تحميل الملف كامل PDF.

السابق
تقديم طلب استعجال التسبيق المالي
التالي
أهمية الإدارة

اترك تعليقاً