بيئة

الديانات والبيئة

الديانات والبيئة

إذا كان ما قدمته سابقاً يؤكد على اهتمام الإسلام بالبيئة ونظرته إلى سلامتها والمحافظة عليها نظرته للحياة ذاتها، فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو هل كل أصحاب الديانات الأخرى كانت لديهم هذه النظرة وهل كان لهم دور في المحافظة على البيئة انطلاقاً من عقائدهم وقيمهم كما هو الحال في الإسلام ؟ العالم المعاصر كله يمثل إجابة لهذا السؤال فمعظم ملوثات البيئة في عالمنا مصدرها العالم الغربي وهو الذي يمثل افتراضاً العالم المسيحي فهل انفصل المسيحيون عن ثقافتهم الدينية فلم يعد لديهم وازع ديني يحكم سلوكياتهم ؟ أم أن المسيحية ذاتها لم تتضمن ما يحد من تطلعات الإنسان النفعية والتي وصل مداها إلى دمار البشرية وأصبحت الكرة الأرضية كلها مهددة بأخطار التلوث الناتج عن الآلة الغربية التي أطلق العلم الحديث مداها حتى طالت قضايا لم تكن نتصور أنها ستخرج من عالم الخيال إلى عالم الواقع .

يدور جدل كبير حول هذه القضية في الأوساط الثقافية العالمية، فهناك من علماء البيئة العلمانيون من يقول :” إن مؤرخين وفلاسفة وعلماء بيئة يتجادلون في قضية أن المسيحية هي التي تتزعم جناية العالم المعاصر على البيئة بتسويغها خراب الأرض “[1]  وهناك من يقول إن العلماء الغربيين تتبعوا” جذور أزمتنا البيئية وأرجعوها إلى الموقف اليهودي المسيحي من الطبيعة فإن هذا الموقف وما يصاحبه من ميراث تقليدي وثقافي هو المسئول عن الأخطار الموضوعية التي تهدد المستقبل الإنساني ألا وهي :

  • انطلاق التكنولوجيا الموجهة إنتاجياً والذي أدى بدوره إلى نضوب موارد الأرض الطبيعية.
  • الضغط الكلي والفردي على الأرض والبيئة .
  • الزيادة المستمرة في المخلفات .
  • المخزون من الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية الذي يكفي لتدمير الأرض بضع مرات .

إن كل اتجاه من تلك الاتجاهات يمثل خطراً رئيسياً يهدد رخاءنا الجماعي بل وبقاءنا، ويحاول علماء أمثال فرايزر دارلنج وثيودور روزال وجوفرى نيكرز ولين وايت الصغير أن يبرهنوا أن هذه المخاطر ما هي إلا نتاج النظام الأخلاقي الغربي، وجذور أزمتنا الأيكلوجية بديهية فهي تكمن في معتقداتنا وكياناتنا القيمية التي تشكل بدورها علاقاتنا بالطبيعة وعلاقة كل منا بالآخر وكذلك تشكل الأنماط الحياتية التي نعيشها “[2]  .

وفي المقابل فإن هناك من رجال الدين اليهود والمسيحيين من يرى أن الأديان جميعاً قد احتوت ما يوجه الإنسان إلى المحافظة على البيئة وأن دور الأديان في حماية البيئة المعاصرة مهم جداً كما جاء في ورقة الحاخام دانيال برنير المقدمة إلى مؤتمر الدوحة الرابع لحوار الأديان والتي طالب فيها بالتصدي الفوري للمخاطر البيئية التي تحيط بالأرض وضرورة استخدام التكنولوجيا من أجل خير البشر مشيراً أن الله قد دعا المؤمنين إلى الاهتمام بالأرض، وأن الزعماء الدينيين مطالبون بالضغط على الحكومات لدرء الحروب التي تدمر البيئة وفي نفس السياق وفي ذات المؤتمر أشار الدكتور/ مرون عازار أمين سر كلية اللاهوت الحبرية في جامعة روح القدس بلبنان إلى أهمية بناء الإنسان لحماية البيئة مذكرا بما قاله البابا بولس السادس سنة 1972 مسيحي، من ضرورة احترام الطبيعية والتشديد على المسئولية الجماعية في حماية البيئة “[3].

وإذا كانت الإشارات السابقة قد انطلقت من الواقع رابطة بينه وبين القيم الدينية للإنسان الغربي، فإن هناك تحليلاً أعمق يحاول فيه العلامة ( محمد باقر الصدر ) أن يقارن بين الإنسان الشرقي والأوروبي من حيث تغلغل القيم الدينية في كل منهما وأثر ذلك في تعاملهما مع المكونات الحياتية المختلفة فيقول :” يختلف الإنسان الأوروبي عن الإنسان الشرقي اختلافاً كبيراً فالإنسان الأوروبي بطبيعته ينظر إلى الأرض دائماً لا إلى المساء وحتى المسيحية – بوصفها الدين الذي آمن به هذا الإنسان مئات السنين – لم تستطع أن تتغلب على النزعة الأرضية في الإنسان الأوروبي بل بدلا عن أن ترفع نظره إلى السماء استطاع هو أن يستنزل إله المسيحية من السماء إلى الأرض ويجسده في كائن أرضي ” “ولقد استطاعت النظرة إلى الأرض لدى الإنسان الأوروبي أن تفجر طاقاته في البناء وأدت أيضاً إلى ألوان التنافس المحموم على الأرض وخيراتها ونشأت أشكال من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان لأن تعلق هذا الكائن بالأرض وثرواتها جعله يضحي بأخيه ويحوله من شريك إلى أداة ، وأما الشرقيون فأخلاقياتهم تختلف عن أخلاقيات الإنسان الأوروبي نتيجة لتاريخهم الديني فإن الإنسان الشرقي الذي ربته رسالات السماء وعاشت في بلاده ومر بتربية دينية على يد الإسلام ينظر بطبيعته إلى السماء قبل أن ينظر إلى الأرض ويأخذ بعالم الغيب قبل أن يأخذ بالمادة والمحسوس وهذه الغيبية العميقة في مزاج الإنسان الشرقي المسلم حدت من قوة إغراء المادة وقابليتها لإثارته “[4]  .

إن ما قدمته سابقاً لا يعنى على الإطلاق خلو الأديان الأخرى غير الإسلام من قيم ونصوص تحترم البيئة وتدعو إلى المحافظة عليها، فالعهدين الجديد والقديم يحتويان الكثير مما يشير إلى ضرورة المحافظة على مكونات البيئة ودور الإنسان في حمايتها، والأدعية الزرادشتية مشحونة بالثناء على الجبال والأنهار والمحيطات وجميع الأرض ومخلوقاتها، ومن بين تعاليم الزرادشتيين المعاصرين أن كل بذرة وردة تختص بملاك، كما أن الطبيعة في الديانتين الهندوسية والزرادشتية تأخذ شكل الاحترام الكامل الذي يتحول في النهاية إلى تطرف ليصل إلى العبادة[5] .

إن الإشكالية البيئية المعاصرة ليست في النصوص الدينية عند مختلف الأديان وإنما الإشكالية مرتبطة بانفصال الإنسان الغربي – المتهم الأول بتدمير البيئة – عن ثقافته الدينية وعدم التزامه بعقائد وأخلاق المسيحية واليهودية، وهذا ما تناوله المؤتمر الكبير الذي نظمه الصندوق العالمي لحماية البيئة في مدينة ( باكتابور ) القديمة في نيبال والذي حضره ممثلون لإحدى عشرة ديانة كبيرة في العالم، وقد أكد الأمين العام لمنظمة تحالف الدين والحفاظ على البيئة أن جميع الديانات بها تعاليم بيئية أبرزها المؤتمر وقد تعهد ممثلوا الديانات المشاركة باتخاذ إجراءات مناسبة من أجل حماية الكرة الأرضية [6].

إننا ونحن نعرض هذه الصورة عن نظرة الديانات إلى البيئة نشعر بأن الإسلام من خلال عقائده وقيمه ومثله وثقافته المأخوذة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أكثر احتراما للبيئة وأكثر محافظة عليها وذلك لأن الإسلام دين إنساني يحترم الإنسان ويقدسه ويسهل له كل ما يؤدي إلى استغلال الموارد البيئية دون تفريط أو إهدار لهذه الموارد، وهذا يرتب علينا مهمة كبيرة في التبشير به وبدوره في حل مشكلات البشرية المعاصرة .

[1] Mennonite Central Committee Worldly Spirituality (Harper and Row.1984)

[2]      ضياء الدين سردار /نحو نظرية إسلامية عن البيئة /ترجمة سمية البطراوي /مجلة المسلم المعاصر /س15/ع59/1991/ص77-78.

[3]      مؤتمر الدوحة الرابع لحوارالاديان /25-27/ابريل/ /2006 قطر.

[4]       محمد باقر الصر / منابع القدرة في الدولة الإسلامية / دار التعارف .

[5]      د.مصطفى المحقق/مسؤلية الحاكم المسلم ازاء المحافظة على البيئة.

[6]      رجال الدين يتعهدون بالحفاظ على البيئة / بي بي سي أونلاين

السابق
الأصول الإسلامية للبيئة
التالي
التسميد بالاسمدة الفوسفاتية بالاراضي الصحراوية

تعليق واحد

أضف تعليقا

  1. Terrygaf قال:

    .

اترك تعليقاً