إسلام

الذكر حقيقته وشروطه عند عبد الرحمن الاخضري

عبد الرحمن الأخضري الذكر حقيقته وشروطه عند عبد الرحمن الاخضري

ورد ذكر هذا المصطلح بمرادفاته في المنظومة 27 مرة، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم هذا اللفظ المنصرف إلى حقيقة وضعه واستعماله عند القوم من أهل التصوف أربع عشرة( )14مرة ،19منها قوله تعالى :

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ  ﴿١٩١﴾ آل عمران.

ومنها قوله تعالى  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴿٤١﴾ الأحزاب.

وقد شغل هذا المبحث (الذكر) مساحة كبيرة في المنظومة، افتتح الأخضري باب الذكر بقوله:

واعلم بأن طرق التطهير كثيرة عند ذوي التنوير وفي قوله [اعلم] فائدة كبيرة، ففيه إشارة إلى مقام التعليم هذا من جهة، ومن جهة أخرى تنبيه وإرشاد إلى المريد إلى ما يجب أن يعلمه، وقوله [كثيرة] إشارة إلى مناهج وطرق التطهير، أي ليست واحدة وإنما متعددة، كما أنها ليست ميسرة لكل واحد بل لا يدركها إلا أهل الطريق، وهذا ما يفيده قوله [عند ذوي التنوير].

ثم يقول الأخضري:

أقربها نفعا طريق الذكر     بسرعة ُيزيل كل سر

وفي قوله [أقربها] الهاء عائدة على طرق التطهير ،ونجد أرباب الطريق يعتبرونه أحد المقامات وركنا هاما لا استغناء للسالك عنه ،وفي هذا يقول القشيري “: الذكر ركن قوى ِفي طريق الحق سبحانه وتعالى بل هو العمدة في هذا الطريق ولا يصل أحد إلى الله تعالى إلا بدوام الذكر” ، 20وقد عقد الشيخ عبد الحميد بن باديس فصلا عن هذا الركن بقسميه العلمي والعملي وتعرض لحقيقته وأهميته وبين مكانته في الدين :”الذكر أصل من أصول الدين العظيمة، أو هو الدين كله، ولذا امتلأ القرآن العظيم بالآيات المشتملة عليه.”.. .

1 . تعريف الذكر

بين الاخضري-رحمه الله-حقيقة الذكر وأهميته وشروطه دون أن يتعرض لحده وتعريفه، ولعل هذا راجع إلى كونه كالعلم لا حاجة لبيانه، ومن جهة أخرى كون الأخضري كان دقيقا، فهو في خطابه متوجه إلى المريد والسالك للطريق إذ يكفيه منه الجانب
العملي.

وقد عرف الذكر عند أرباب التصوف بتعاريف عدة، منها تعريف الكلاباذي له بأنه :” نسيان ما سوى المذكور في الذكر ” َحقيقة الذكر َأن تنسى َما سوى ا َْلم ْذ ُكور في الذكر” ، وفي الرسالة القشيرية: “والذكر على ضربين: ذكر اللسان وذكر القلب فذكر اللسان بِه يصل العبد إِ َلى استدامة ذكر القلب والتأثير لذكر القلب َفإذا َكان العبد ذاكرا بلسانه وقلبه فهو الكامل في وصفه ِفي حال سلوكه ” .

وقال ابن عجيبة “:وهو إذا اطلق ينصرف لذكر اللسان، وهو ركن قوي في طريق الوصول “… .24وقد جعله الهروي ضمن الأصول في كتابه وعرفه بقوله “: هو التخلص من الغفلة والنسيان “.

وعلى هذا الأساس ُيعتبر الذكر ركنا هاما لسالكي طريق الحق عزوجل السائرين إليه، فلا وصول لمن لم يكن مداوما عليه، وهو المتفق عليه بين جميع الطرق الصوفية.

2 . شروطه

أشار الأخضري إلى شروط الذكر الصحيح التي لا يتم ولا يكتمل إلا بها، منها ما يجري مجرى الركن الذي يبطل به غيره لبطلانه، ومنها ما يجري مجرى الآداب الواجب استصحابها أثناء الذكر، ومن جملة هذه الشروط:

أ . الخوف والحضور:

أشار إليه الأخضري مستعملا في ذلك لفظا يفيد الاستدراك على ما قد يفهمه المريد من كون الأمر على إطلاقه، فقال:

لكن بشرط الخوف والحضور مع ادكار هيبة المذكور  لكن ماذا يكون حال المريد الذي أغفل هذا الشرط، وكان ذاكرا بلسانه لا بقلبه؟ يجيبنا الأخضري قائلا:

فمن تلك الغفلة والأمان      في ذكره حجبه الشيطان

وحال بينه وبين ربه            يقذفه وساوسا في قلبه

وأحدقت بقلبه غشاوة        فلم يذق لذكره حلاوة

يشير الأخضري من خلال هذا الأبيات إلى الذكر بشقية القلبي الباطني وهو المُعبر عنه بالحضور والذكر اللساني الذي هو تعبير عن الحال التي ترد القلب ،ولهذا قيل :” القلب للمشاهدة َواللسان للعبارة َعن ا ْلمُ َشاه َدة فمن عبر عن غير مشاهدة فهو شاهد زور ” ، وإن كان ابن عطاء الله السكندري يقدم تخريجا جيدا في ضرورة ملازمة الذكر حتى مع الغفلة ،”لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه فإن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعساه أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة”… .

ويرى العلامة الشيخ زروق الفاسي أن على المريد السالك أن يلتزم بالذكر في حال الحضور والغفلة معا، فهو غير مقيد بغيبة ولا حضور بدليل قول النبي ﷺ، للذي سأله عن شيء يلتزم به « َلايزال لِسانك َرطبا من ذكر اللَِّه» ،فلم يدله إلا على ذكر اللسان لأنه
مقدور العبد ابتداء بخلاف الحضور المُستلزم للفكر على الدوام .

و ُيلفتنا الأخضري رحمه الله- إلى أمر آخر وهو غياب حلاوة الذكر مع الإكثار منه مستعملا في ذلك ما ُيفيد الكثرة بلفظ [كم]
كم باذل قواه في الأذكار ولم يجد للذكر من ثمار وذاك من وساوس الشيطان يُّيج بالغفلة والأمان فعالج الخواطر الردية بالدفع فهي ُحجب قوية و
قول الأخضري [عالج] أمر للمريد بعدم استسلامه للخواطر والهواجس فما يعترضه في ذكره محض وسوسة، وهو ما عبر عنه الشيخ عبد الحميد بن باديس بصدد كلامه عما يعتري القلوب “إن القلوب تعتريُّا الغفلة والقسوة والشكوك والأوهام والجهالات ،وقد تتراكم عليها هذه الأدران كما تتراكم الاوساخ على المرآة فتطمسها و ُتبطل منفعتها، وقد ُيصيبها القليل منها أو من بعضها، ولا تسلم القلوب على كل حال من إصابتها، فهي محتاجة دائما وأبدا إلى صقل وتنظيف بتلاوة القرآن”… .

وعليه فلا مانع من ورود الخواطر ولا اعتراض في صدق نية المريد وإخلاصه فهو أمر يقتضيه الطريق، وفي إشارة الأخضري إلى طريقة التخلص من هذه الخواطر والهواجس بالدفع إشارة غلى بذل المجهود وهذا هو ذاته ما عبر عنه ابن باديس فيما  يعترض قارئ القرآن ،فقال “: وليحذر من ذهاب قلبه مسترسلا مع خواطره منصرفا عن تدبره والتذكر به، وإذا عرضت عليه الخواطر فليصرفها ليدف َعها وليحمل فكره على تدبر آيات الكتاب ولا ينقطع عن التلاوة، وإذا كانت الخواطر لا تفارقه فإن تصميمه على دفعها مع تكاثرها من جهاده لنفسه الذي ُيثاب عليه وينتهي به في الأخير إلى الانتصار عليها “.

بعد إشارة الاخضري إلى عوائق السير التي تعترض المريد نجده يعرج على منزلة هذا الطريق ودقته، فمن ارتقى في المقامات وجب عليه قبل وضع قدمه أن يوطئ قلبه فالأمر كله معقود عليه، وهو إرشاد آخر للمريد، يقول في هذا المعنى:

هيهات أن يطمع في الإبصار          من قلبه في الهذيان جاري

هل يرتقي لسلم المعالي           من قلبه في عالم الخيال

لن يستقيم القلب للتوجيه          مادام هذا الهذيان فيه

كيف يصح فتح باب القدس           مادام في القلب غبار النفس

لن يصل العبد إلى مولاه              مدة مـا ليل الهوى يغشاه

حتى إذا نهـاره تجلى                بفتح باب الملكوت الأعلى

واجعل أخي همك هما              واحدا تكن لما تطلبه ُمشاهدا

إن المتأمل في هذا المقطع من النظم، يجد أن الأخضري ذكره تبعا لحديثه عن تعلق الذكر بالقلب بكونه َم َقرا له، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ُيلاحظ استعمال الاستفهام[هل] والنفي[لن]، واسم فعل الماضي [هيهات] بمعنى َب ُعد، وكل سياق نجد الاخضري قرنه بذكر القلب، وهو تأكيد لما وطأ به، وهو كون الذكر متعلق بالقلب، لذا نفى الناظم واستبعد كل ذكر يخلو من حقيقة ما ذكره سلفا .

ب . الالتزام بآداب الذكر ومراعاة حرمة الشريعة:

أشار الأخضري في نظمه إلى شروط لا بد للسالك المريد الالتزام بها أثناء الذكر، فقال:

ومن شروط الذكر ألا ُيسقطا بعض حروف الاسم أو ُيفرطا

في اللفظ من مناسك الشريعة عمدا فتلك بدعة شنيعة

والرقص والصراخ والتصفيق عمدا بذكر الله لا يليق

وإنما المطلوب في الأذكار الذكر بالخشوع والوقار

وغير ذا حركة نفسية إلا مع الغلبة القوية

فتواجب تنزيه ذكر الله على اللبيب الذاكر الأواه

عن كل ما تفعله أهل البدع ويقتدي بفعل أرباب الورع

هذه هي الشروط التي ذكرها الأخضري في نظمه، وهي تتلخص فيما يلي:

أ-عدم إسقاط بعض حروف الاسم، وهو إِشارة هنا إلى اسم الله الأعظم (الله،) فمن صور الذكر ذكر الاسم المفرد (الله،) وقد كتب ابن عطاء الله السكندري كتابا في ذلك سماه القصد المجرد في معرفة الاسم المُفرد، وهو عنده لفظ الجلالة الله، يقول في هذا:” إن هذا الاسم المفرد المعظم المقدم المجرد، أعني الله عز ذكره. هو اسم الذات العلية. الموصوفة بصفة الألوهية المعروفة بنعوت الربوبية. المتصف بصفة الأحدية. المنفرد بوحدة الوحدانية.

المنعوت بصمدانية الصمدية. المنزه عن جنس الكيفية. وأنواع المثلية. المقدس عن أن يحيط بمعرفة كنه إدراكه عقول البشرية. فهو: الله”.

وقول الأخضري [أو ُيف ِرطا في اللفظ من مناسك الشريعة] إشارة إلى الشطط في الذكر اسم الله فينبغي أن ينطق به السالك ُنطقا ُمعتدلا لا يؤدي إلى تحريف معناه ،وفي حرف العطف أو دلالة على الخيار، فالأول إسقاط بعض حروف الجلالة والثاني الإفراط في النطق بالخروج عن حدود المد ،وكلاهما مرفوض في الذكر ُمجانب للأدب ، وقد يكون الإفراط هنا إفراطا في آداء العبادات وهو المُعبر عنه بمناسك الشريعة إذ أنها أعظم أنواع الذكر ،وقد أورد ابن عجيبة رحمه الله- في تفسير قوله تعالى : فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ﴿١٣٠﴾ طه/، فقال”: ففيه ترجيح من فسرها بالصلاة، وفيه إشارة إلى أن الصلاة ذكر وإقبال على الله وانقطاع إليه” .

وهذا الذي ذكره الأخضري نقد ضمني لواقع التصوف والطرق الصوفية في عصره التي جنحت عن القواعد والآداب التي أرساها أرباب التصوف، لذا نجد الأخضري ُيعرض بصنيعهم ويكشف ما ابتدعوه:

خلوا من اسم الله حرف الهاء فأجحدوا في أعظم الأسماء

لقد أتوا والله شيئا إدى تخر منه الشامخات هدى

والألف المحذوف قبل الهاء قد أسقطوه وهو ذو خفاء

وغرهم إسـقاطه في الخط فكل من يتركه فمخط

قد غيروا اسم الله جل وعلا وزعموا نيل المراتب العلا

ومن أبرز الطرق الصوفية التي انتشرت في عصر الشيخ زروق الفاسي خلال القرن التاسع الهجري ببلاد المغرب القادرية والشاذلية، وإن كانت منظومة الاخضري (القدسية)بأكملها تذكر أحوال المتصوفين وتنعى عليهم اللجوء إلى الخرافة والشعوذة وتدعو إلى التمسك بالعلم ونبذ البدعة والعمل بالكتاب والسنة والجمع بين علمي الظاهر والباطن.

ولم يكن هذا حال الجزائر المحروسة فقط، بل كان هذا حال الأقطار كلها، فهذه تونس في هذا العصر :”تقرب الناس إلى الأولياء وتعلق الناس بالخوارق والعجائب وطغت المعتقدات الجاهلية وخرافاتها من جديد “.

وكان أبرز ما ميز التصوف في تونس في هذه الفترة ..”:.سادت ظاهرة تصوف المرابطين بتأثير من أبي العباس أحمد بن عروس ،فأحيط بهالة من القداسة، وكان متجاوزا الأحكام الشرعية، والأخلاق العامة، وكان تصوفه سببا في انحطاط المستوى الذهني والروحي لأتباعه” .

ويصف لنا عبد الكريم الفكون التصوف في عصر عبد الرحمن الاخضري في كتابه الذي يعكس عنوانه سبب ما ألف من أجله(منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية) ،قال في شأن قاسم بن أم هانىء بنواحي نقاوس الذي اتخذ في ذلك الوقت خلوة ومريدين وأظهر التقشف والزهد في المأكل فكان يأكل النخالة والشعير ،وفي الملبس فكان يلبس حقير الثياب واتخذ له ولمريديه حضرة يذكر فيها الله ويغيرون اسمه ويشطحون ويرقصون:”…واتخذوا الحضرة وهي لعبة يتخذونها ُيراؤون بها الناس يعيشون بها ويقضون بها أوطارهم، لا يفرقون بين واجب ومندوب، ولا محرم ومكروه، ويعتقدون أنهم على الحق، وإذا وضعت لهم المائدة فذئاب عاوية، يدعي رئيسهم الولاية وشفاء الناس من الأمراض والأسقام”.

ويكتب الفكون كاشفا زيف المدعين طرف المدعين والرؤساء الجاهلين الذين اتخذهم البعض رؤساء جهال أضلوا بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير:

” …صار الجاهل رئيسا والعالم في منزلة ُيدعى من أجلها خسيسا وصاحب أهل الطريقة قد أصبح وأعلام الزندقة على رأسه لائحة، وروايح السلب والطرد من المولى عليه فائحة، إلا أنهم أعني الطائفتين تمسكوا من دنياهم بمناصب شرعية ،وحالات كانت ِقدما للسادة الصوفية ،فموهوا على العامة بأسماء ذهبت مسمياتها، وأوصاف تلاشت أهلها منذ زمان وأعصارها ، لبسوا بانتحالهم لها على أهل العصر أنهم من أهلها …” .

إن ما ذكره الشيخ عبد الكريم وأشار إليه الأخضري في نظمه صورة حية لواقع موسوم بالضعف والانحطاط والخرافة والجهل، مما يؤكد أن التصوف تأثر بأوضاع العصر وحاد به المنتسبون إليه عن تلك المعالم البارزة المستقاة من الكتاب والسنة ،لا سيما إذا علمنا أن الفضل في دخول التصوف إلى بلاد المغرب الإسلامي كان بفضل أبي حامد الغزالي، لكن للأسف أضيف إليه ما ليس منه: …”اتجه اتجاها سلبيا كالمبالغة في الاعتقاد في الشيخ، وظهور الحضرة والأوراد”.

وإن كان كلام الدكتور أبي القاسم سعد الله بحاجة إلى مناقشة فنقده لمسلك المبالغة في الاعتقاد في الشيخ صحيح، وهو المسلك الذي نبه إليه أرباب الطرق الصوفية كالشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه الغنية:” …فإن لم يجد له ُعذرا في الشرع استغفر للشيخ ودعا له بالتوفيق والعلم والتيقظ والعصمة والحمية، ولا يعتقد فيه العصمة.. « .

يعرج الاخضري بعد إشارته لصنيع الطرق في الذكر وحالهم فيه نجده يصفهم بأقبح الأوصاف، أما ما يحدث لهم من تغير حال أثناء وجدهم المزعوم، فيعلل الاخضري هذه الحال بقوله:

تغرهم مذاقة طبيعية سببها حركة نفسية

فالمذاقة من الذوق، وطبيعية بمعنى طبيعة، أي أضحت بحكم العادة كالطبع، وسبب هذه المذاقة تغير الحالة النفسية الناتجة من الصرا خ والتصفيق والشطح، أما ما يدعونه من أسا ر وأحوال وبلوغهم الكمال، فما أبعدهم عن ذلك:

والقوم لا يدرون ما الاحوال فكونها لمثلهم محال

ونجد الاخضري يبرئ ساحة التصوف التي يصطلح عليها (القدس) من صنيع الجهال على حد تعبيره وهو ما ُيلمس في قوله:

حاشا بساط القدس والكمال تقدمه حوافر الجهال

فانظر كيف استبدل القدم الذي يطأ البساط بلفظ الحافر الذي هو للحيوان، بل نجد الاخضري يرصف الصفات واحدة تلو الاخرى لمبتدعة زمانه -كما يعبر عن ذلك الفكون- فنراه يقابل بين الجاهلين والعارفين لبيان الفرق والاختلاف:

والجاهلون كالحمير الموكفة والعارفون سادة مشرفة

وفي موضع آخر نجد وصفا أشد قبحا، إذ يشبههم بالحمير والكلاب:

ويذكرون الله بالتغيير ويشطحون الشطح كالحمير

وينبحون النبح كالكلاب مذهبهم ليس على الصواب

وهذا نقد قاسي جدا من عبد الرحمن الأخضري، وتشبيه مدعي التصوف ببعض الحيوانات، وهو مسلك كان ينبغي أن يترفع عنه، فانتقادنا للآخر مهما كان على ضلال وتيه- لا يخول لنا أن نسلك مسلك وصفه بأحط الأوصاف والتشبيهات، وهو مما يتنافى مع
رسالة التصوف الحقة التي أرساها أرباب التصوف. فهذا حمدون القصار دعا في وصيته إلى ُصحبة الصوفية وعلل ذلك بقوله :” إن لهم للقبيح وجوها من المعاذير ،
وهذا الوصف منبئ بالفضائل والقيم التي تحقق بها أهل التصوف ،ولا ُيوجد خلق أرفع من التماس العذر للصحب والإخوان عند الخطأ والزلات ،واستصحاب هذا الخلق ينبىء عن حسن الظن وسلامة الطوية و ُبعد صاحبها عن ال ُتهمة، وهذا الجنيد سيد الطائفة في سياق حديثه عن الصوفي الحقيقي وصفاته وأخلاقه يمثله بالأرض التي ُيطرح عليها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح ،أو كالأرض يبطؤها ال َّبر والفاجر ،وكالسحاب ُيظل كل شيء وكالمطر َيسقي كل شيء ، ويطالعنا كتاب “أسا ر التوحيد” بموقف أبي سعيد من العصاة والمجرمين، فقد كان يعقد مجلس وعظ في “ميهنة” وكان بجنبه سكارى علا صوتهم فذهب أصحابه وهدموا عليهم المنزل، وجواب أبي سعيد لهم أنهم انشغلوا بالباطل لدرجة أنهم لا يشعرون بما أنتم فيه من حق وأنتم بالرغم من رؤيتكم للح ِّق فلم تنشغلوا به حتى لا تشعرون بباطلهم، فكانت الثمرة توبتهم على يديه، كما كان اليهود والمسيحيون يسلمون على يديه ويعظمونه .

3 . ثمرات الذكر

بعد حديث الاخضري عن أحوال المبتدعة المنتسبين إلى التصوف وبيان ما أحدثوه من تغيير في طريقة الذكر ووصف حالهم، وبيان أن ما يعتريُّم أثناءه ما هو إلا نتيجة حركة نفسية ُتترجم إلى صرا خ وتصفيق وصرا خ وشطح، وقد أشرنا إلى تلك الأبيات سابقا، انتقل بعدها الاخضري إلى الحديث عن الذكر الصحيح المؤسس على أصول الوحي و ُمراعيا للآداب، مع بيان ثمراته، فقال:

فمن يكن مشتهرا بالذكر بشرطه عن خشية وفكر يلمس في هذا البيت حضور ُمصطلحين غابا في كلام الاخضري السابق للسياق الآنف الذكر-النقد- فمدعوا التصوف غيبوا هذين المصطلحين، لكن نجد حضورهما هنا كقيدين وشرطين للذكر الصحيح الذي ُيثمر ثمرات متعددة منها:

-جريان اللسان على الأذكار :،والجريان هنا استعارة مكنية ،فخشية الذاكر وتفكره في ذكره وورده يجعله مستصحبا لهذا الحال في كل ما يتلفظ به ،وهو ما يشهد به الحديث « َلاَيزال لِسانك َرطبا ِمن ِذكر اللَِّه».

وفي هذا المعنى أنشد الاخضري:

جرى لسانه على الاذكار وأمطرت سحائب الأنوار

-ومن ثمراته تنور باطن وظاهر الذاكر ،ويستعمل الاخضري مصطلحا بليغا في قوله[:وأمطرت سحائب الأنوار،]وهو المعنى الذي أشار إليه ابن عطاء الله في حديثه عن ثمرات الذكر .”:..وجلاء القلب وبياضه وتنويره بالذكر وباب الفكر” وإلى هذا المعنى أشار الاخضري بقوله:

حتى إذا ُمزجت الأذكار بالقلب واستنارت الأفكار

حتى إذا استنارت السريرة وأنبت معنى الله في السريرة

-أنس القلب بذكر الله ،وللأنس معنى كبير جدا عند الصوفية، ونجد سيد الطائفة الجنيد ُيعطي معنى دقيقا للأنس بقوله: “الأنس ارتفاع الحشمة مع وجود الهيبة ” ،والمعنى اجتماع الرجاء مع الخوف، فالأنس ليس مانعا من استحضار عظمة الله، وإن كان
الأنس به ينسي عذابه ،ومن المعاني اللطيفة ما نقله القشيري عن أبي عثمان قوله”: من لم يذق وحشة الغفلة لم يجد طعم أنس الذكر ” .

وإلى هذا المعنى أشار الاخضري بقوله:

تأنس القلب بذكر الله وصار طول الدهر غير ساه

-نمو شجرة الإيمان في القلب :يرى الاخضري أن إدامة الذكر ُمنبتة لشجرة الإيمان في القلب ،وهو المعنى المُستفاد من قوله تعالى:َ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿٢٤﴾ إبراهيم ، وفي هذا يقول الاخضري :

وانغرست في وسط الجنان شجرة تروق كل جان

دائمة الظلال والثمار وتحتها جداول الأنهار

وهو المعنى الذي أشار إليه ابن عجيبة بقوله:” َ َضرب اللَّه َمثلا لأهل «لا إله إلا الله»، لكلمة وهم: أهل التوحيد، الذين رسخ التوحيد في قلوبهم، وعبروا عنه بألسنتهم. فمثال الطيبة التي نطقوا بها، ورسخ معناها في قلوبهم َكشجرة َطيبة: كالنخلة مثلا، َأصلها ثابِت في الأرض، غائص بعروقه فيها، َو فرعها ِفي السماء أي: أعلاها” ، وهو المعنى الذي أكده البخاري في صحيحه في بيان المعنى المُستفاد من الآية السابقة فعن ابن ُعمر َرضي اللَّه َعنْهما، َقال: ُكنَّا ِعنْد َرسول اللَِّه ﷺ،  َفقال: ” َأخبروني بشجرة تشبه او كالرجل المسلم لايتحات ورقها وتأتي اكلها كل حين ” قال ابن عمر : فوقع في نفسي انها النخلة “.

-عدم السهو: والسهو هنا مرا دف للنسيان ،وهو ،وهو أمر طبيعي وجبلي ،لذا نجد القرآن الكريم يقر بهذه الحقيقة الكيانية، لكنه يوجهنا ويرشدنا إلى الذكر باعتباره حبلا يعيد السالك إلى حضرة الله ،لقوله تعالى :  إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا (24) الكهف، وهو المعنى الذي أشار إليه الاخضري في البيت الآنف الذكر [وصار طول الدهر غير ساه] ويقدم لنا سيدي ابن عجيبة معنى لطيفا غير الذي ُيفهم من ظاهر الآية ،قال “: أي: إذا نسيت ما سواه، حينئذ تكون ذاك ًرا حقيقة، فالذكر الحقيقي: هو الذي يغيب صاحبه عن شهود نفسه ورسمه وحسه، حتى يكون الحق تعالى هو المتكلم على لسانه لشدة غيبته فيه، وهذا أمر مشاهد لمن عثر على شيخ التربية والتزم صحبته” .

فانظر كيف جعل ابن عجيبة النسيان هنا ليس نسيانا لذكر الله وإنما نسيانا لغيره من الأغيار ،فإذا وصل العبد إلى هذا المقام وأغفل وجود غير الحق كان ذاكرا حقيقة ،ولعله بهذا المعنى يومئ إلى ما ُيصطلح عليه بالغيبة ولحضور ،فالغيبة غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق، والحضور حضور المريد بالحق ،لاستلاء ذكر الحق عليه .

-انقطاع علائق الشيطان وكشف الغطا: وفي هذا المعنى يقول الأخضري:

وانقطعت علائق الشيطان وظهرت بصيرة الإنسان وهو المعنى الذي تضمنه قوله تعالى :  إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (201) الأعراف. 

وعليه فالذكر طرد للغفلة المنبعثة من النفس والشيطان والتي تجعل الإنسان ُمنساقا وراء حسه وشهواته ُمنجذبا لعالمه الترابي الطيني مما يزيد حجاب الغفلة ويغطي القلب بظلمة كثيفة ،فيأتِ الذكر ليقوي ليجعل الإنسان ناظرا ببصيرته بعد أن كان حبيس بصره وحسه و ُيكشف له الغطا فيغدو بصره حديدا برؤية الأشياء على ما هي عليه في حقيقتها لا في واقعها ،وقال ابن عجيبة في تفسير قوله تعالى  من شر الوسواس الخناس .  الناس. 

الذي عادته أن يخنس، أي: يتأخر عند ذكر الإنسان ر َّبه” وفي الصحيح َعن ابن َعباس في تفسيرها : « إذا ولد خنسه الشيطان، فإذا ذكر الله عز وجل ذهب . واذا لم يذكر ثبت على قلبه.

-تحلي القلب بالعلوم والسر بالفهوم، وفي هذا أشار الأخضري بقوله:

و ُنقشت في قلبه علوم وأيدت في سره فهوم والعلوم هنا الأسا ر والمعاني اللطيفة وليست العلوم المُكتسبة وإنما ما كانت وهبا من الحق ،وهو ما أخبر به القرآن الكريم حكاية عن العبد الصالح (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65)الكهف.

جاء في تفسيرها :”علما خاصا، لا يكتنه كنهه، ولا ُيقدر قدره، وهو علم الغيوب، أو أسا ر الحقيقة، أو علم الذات والصفات، عل ًما حقيقيا” ، ويؤكده أيضا المعنى الذي أشار إليه القشيري بقوله”: العلم من لدن الله ما يتحصل بطريق الإلهام دون التكلف بالتطلب
“،
69وعليه فالعلوم والفهوم هنا ما ينطبع في مرآة القلب من معاني وأسا ر ربانية ،لا يمكن الوقوف على حقيقتها بالأدلة والأقيسة والبراهين ،فهي أعلى من ذلك وفوق إدراك العقول ،ومما يؤكد هذا المعنى تلك المقدمة التي صاغها الخضر عليه السلام حين طلب موسى عليه السلام صحبته َ عليه السلام قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) الكهف.

واعتراض موسى على صنيع الخضر عليه السلام في كل مرة ،لذا لما قدم الخضر تعليل أفعاله علم موسى عليه السلام أن ما أوتيه الخضر كان من علم الله ،وقد فصل القشيري في رسالته في بيان الفرق بين العلم والمعرفة ،وبين أن من تعرف على الله بأسمائه وصفاته “: صار محدثا من قبل الحق سبحانه بتعريف أسا ره فيما يجريه من تصاريف أقداره يسمى ِعنْد َذلِك عارفا وتسمى حالته معرفة بالجملة فبمقدار أجنبيته عن نفسه تحصل معرفته بربه َعز َوجل ” .

ويحدثنا القشيري عن أنوار الذكر ودرجاته وثمراته(العلم والفهم واليقين) قائلا: والنور الذي من قبله- سبحانه- نور اللوائح بنجوم العلم، ثم نور اللوامع ببيان الفهم، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نور المكاشفة بتجلي الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور
الذات، ثم أنوار الصمدية بحقائق التوحيد”

كما نجد مؤسس الطريقة الشاذلية أبا الحسن الشاذلي ينبه إلى خطورة الاستدلال على المعارف الإلهية والحقائق الغيبية بمحض الحس:” إذا جاذبتك هواتف الحق، فإياك أن تستشهد بالمحسوسات على الحقائق الغيبيات، وترده فتكون من الجاهلين، واحذر أن تدخل في شيء من ذلك بالعقل ” .

أما قول الأخضري [و ُأيدت في سه فهوم،]فهو ثمرة لما قبله [و ُنقشت في قلبه علوم ،]فمن كان قلبه محل المعاني والمعارف والأسا ر الربانية كان مؤيدا من قبل الحق ،فحاصل المعرفة الفهم عن الحق بمعرفة حكمته الجارية، لذا فمن نفخ في رماد الأسباب ظهرت له حكمة الحق متوهجة ،وعليه فالتأييد بالفهم هو زيادة نعمة وموهبة وهو محض توفيق من الحق لعباده الذاكرين الصادقين من الأنبياء والأولياء والمؤمنين ،قال تعالى على لسان سليمانَ  عليه السلام  فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴿٧٩﴾  الأنبياء،  وهنا لطيفة في غاية الدقة ذكرها القشيري مبينا أن الله من عليه بالفهم ولم يمن عليه بشيء من الملك الذي أعطاه ،73مما يجعل الفهم عن الله من المواهب وليس من المكاسب وهو ما أشار إليه الاخضري.

-ليونة القلب: وإلى هذا المعنى أشار الأخضري بقوله:

ولان قلبه وقد أصابا في الغيب نحو الملكوت بابا وليونة القلب إشارة إلى جلاء القسوة واليبوسة عنه بدخول الذكر فيه ،وهو ما يؤكده قول النبي ﷺ، للذي سأله عن شيء يتشبث به فأجابه قائلا « َلايزال لِسانك َرطبا ِمن ِذكر اللَِّه»،74وليونة اللسان من ليونة القلب ،فكل إناء بما فيه ينضح ،واللسان ترجمان القلب ،وهو المعنى الذي أشار إليه الشاعر الأخطل بقوله:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ُجعل اللسان على الفؤاد دليلا وقول الشاعر زهير بن أبي سلمى في معلقته:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم .

وهذا المعنى أشار إليه الأخضري في ختام نظمه في سياق حديثه عن الإسلام والإيمان والإحسان، فالإسلام يتحقق باللسان والإيمان يتحقق بالجنان والقلب، أما الإحسان فيتحقق بالروح، يقول في هذا:

و ِذكر أهل الفضائل والبصائر يوازن الثلاثة الدوائر

دائرة الإسلام والإيمان فوقهما دائرة الإحسان

وذلك باللسان والجنان والروح وهو منصب الاحسان

فالقلب ترجمانه اللسان والروح ترجمانه الجنان

ولهذه الحقيقة والثمرة (ليونة القلب) ما يشهد لها في الحديث المروي « إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد قيل وما جلاءها قال تلاوة القرآن وذكر الموت .

ومما يؤكد كون الذكر ُمثمر لليونة القلب بيان الله تعالى أن قسوة القلب بترك ذكر الله ووعيد الله لمن قسا قلبه أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (22) الزمر، وجاء في معناها ” أي الصلبة قلو ُبهم، لم تقرعها خواطر التعريف فبقيت على نكرة الجحد” ، وقال ابن عجيبة أن هذا َثبت تحقيقه وتحققه ،فالذي يفر من ذكر الله حاله كحال الجُ َعل التي تتضرر برياح الورد، وتنتعش بالروائح الكريُّة، وعلى هذا فكل َمن يفر من ذكر الله، ويثقل عليه، فقلبه ُج َعل.،81وفي هذا التوصيف والتشبيه بالجُ َعل استنهاض لهمة المريد السالك لطلب المعالي والاتصاف بأخلاق الأنبياء والأولياء .

وعلى هذا الأساس فالذكر مفتاح لإصلاح القلوب ومداواتها وجلاء صدأ مرآتها وهو التحقق بقوله تعالى :الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴿٢٨﴾ الرعد

وصلاح القلوب طريق لصلاح العاجلة والآجلة ،وفي هذا يقول المحقق العلامة زروق الفاسي “: القلب أساس الخير والشر ،وحياته وموته مفتاح النفع والضر، فمن لا حياة لقلبه فلا حيلة في دفعه وجلبه، وكل قلب حلته الحياة ، َدعته إلى النهوض عند المذاكرات” ،82وفي عبارة زروق (حلته الحياة ) أي كانت تحليته بأنوار الذكر وتخليته من أوضار الهموم وال ِف َكر طريقا لصلاحه وليونته وذهاب قسوته ،وهو المعنى الذي تضمنه حديث النبيﷺ، «ألاَ َوإِن ِفي الجَسد ُمضغة، إِذا َصلحت َصلح الجَسد ُكله، َوإِذا َفسدت َفسد الجَسد ُكله، َألاَ َوهي القلب»

-فتح باب الملكوت:و ُيمثل الاخضري-رحمه الله- لهذا الأمر بحال موسى عليه السلام حين وقوفه على عتبة باب ربه، بعدما آنس من جانب الطور نارا، ولم تكن النار إلا دعوة لطيفة من الله جذبا لقلب موسى ، عليه السلام  وأمر الله له بترك الأسباب، وهو ما جاء في قوله تعالى:َ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) طه.

ينتقل الأخضري بعدها إلى حال آخر خامر كليم الله موسىعليه السلام بعد رؤيته لنور ربه وطلبه رؤيته لقوله تعالى حكاية عنه:َ

وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٤٣﴾ . الاعراف.

4 . مزالق الذكر في الطريق

بعد إشارة الاخضري إلى غلبة الحال على قلب المريد يرسم له الطريق، وهذا في غاية الدقة، إذ قد يتهجم على المريد خواطر فيظن أنها من الحق، وما هي كذلك، إذ قد تكون استدراجا له فقط، وهذه لفتة قوية من الاخضري وإدراك ثاقب منه بأسار الطريق وعوائقه، فقال محذرا المريد:

إياه أن يغره الخيا ُل فيزدري بقلبه الختال

فرب سالك رأى سا با بقيعة يظنه شرابا

وهذا الأمر الذي نبه إليه الأخضري مزلق خطير في الطريق إلى الحق وجب على المريد أن يعلمه ويعرف مداخله ومزالقه وإلا انقطع، وهو الأمر الذي نبه إليه أساطين التصوف ممن كانت لهم قدم راسخة في الشرع، ويبين عبد القادر الجيلاني هذا الأمر بطرح عميق في جوابه لسائل سأله عن الخاطر:”…ما ُيدريك ما الخواطر؟ خوا طرك من الشيطان والطبع والهوى والدنيا، همك ما أهمك، خوا طرك من جنس همك، ما يعمل خاطر الحق عزوجل لا يجيء إلا إلى قلب خال عما سواه، كما قال تعالىَ

قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ (79) يوسف.

ويبين عبد القادر الجيلاني أنواع الخواطر للمريد ليكون على بصيرة وليكون ُمدركا للخاطر الحق :” إذا كان الله عزوجل وذكره عندك فلا جرم يمتلئ قلبك من قربه وتهرب خواطر الشيطان والهوى والدنيا من عندك، للدنيا خاطر ،والآخرة خاطر، وللملك خاطر وللنفس خاطر، وللقلب خاطر وللحق عزوجل خاطر ،فتحتاج أيُّا الصادق إلى دفع جميع الخواطر والسكون إلى خاطر الحق عزوجل”… .

ويذكر الشيخ زروق في كتابه عدة المريد الخواطر التي ترد على الإنسان ،ويجعلها أربعة أقسام ،شيطاني ورباني وملكي ونفساني :” فا َلم َلكي مثل غبش الصبح ،والشيطاني مثل ُشعلة النار، يحدث به احتراقا و َهوشة في البدن، والرباني كالشمس الضاحية مع برودة ُتثلج الصدور ويتنعم بها، والنفساني مثل الفجر الكاذب، قائم واضح تعقبه الظلمة، ويظنه الظان حقيقة وليس بها” ، فانظر كيف تختلف الواردات على قلب الإنسان مما يجعله يقع في الخلط والتلبيس في تمييز بعضها ومصدرها ،وقول زروق (ويظنه الظان حقيقة وليس بها) هو ما أشار إليه الأخضري في نظمه في البيت السابق :

فرب سالك رأى سا با بقيعة يظنه شرابا

وهذا اقتباس للفظ والمعنى من قوله تعالى :

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) النور.

وهذا الذي ذكره الأخضري ونبه إليه وضع أساطين التصوف منهجا دقيقا لنخل الحق عن الباطل وتمييز الطيب من الخبيث من الأقوال والأفعال والخواطر ، فقد دعا الشاذلي إلى التزام الشرع ونبه السالك إلى اتباعه في حال تعارض كشفه مع ما جاء به الشرع فالشرع مقدم وعليه أن يتمسك بالكتاب والسنة لأن الله ضمن له العصمة فيهما ،كما دعا إلى الاقتداء بالنبي ﷺ، والصحابة والتابعين وهذا هو الطريق الذي يسلم به المريد من الشكوك والظنون والأوهام،87وهو ما أكده العلامة الأخضري في منظومته بقوله:

والفرق بين الإفك والصواب ُيعرف بالسنة والكتاب

والشرع ميزان الأمور كلها وشاهد لأصلها وفرعها

وهذا الميزان في الطريق الصوفي نصبه أساطين التصوف ،فهذا الجنيد سي ُد الطائفة يقول:”الطري ُق ك هلها مسدود ٌة على الخلق إلاَّ على من اقتفى أث َر الرسو ِلﷺ،وقوله أيضا: “من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا ُيقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة”.

وإنما ُيفتح بالأذكار لحازم بالليل والنهار

إذا اعتراك ُسقم في القلب فافزع إلى الذكر و ُلذ بالرب

فإن تكن لم تنتفع بالذكر فاندب على نفسك طول الدهر .

الخاتمة

بعد هذه الوقفة مع أهم المنظومات في التصوف الإسلامي لأحد أعلام الجزائر في القرن العاشر الهجري (عبد الرحمن الأخضري البنطيوسي البسكري،) نخلص إلى مجموعة من النتائج أهمها:

  1. أهمية علم التصوف الإسلامي للسالك إلى الله عزول، لكون أساطينه حددوا معالمه ورسموا خطواته وبينوا مزالقه، لذا فالسالك فيه يسير على بينة وهدى، وهو ما يمكن تلمسه فيما وضع من قواعد، كما فعل ذلك الشيخ زروق الفاسي البرنسي.
  2. ثراء القرن التاسع والعاشر بتأليف المنظوم في التصوف، وأغلبه كان اختصارا لما ورد في كتب القوم.
  3. إسهام علماء الجزائر في الحفاظ على الجانب القيمي والأخلاقي للأمة، وهو ما تشهد به مؤلفات الأخضري والثعالبي والسنوسي ومجالس أبي مدين واحمد بن يوسف الملياني وغيرهم كثير
  4. التكامل المعرفي لدى علماء الجزا ئر، وهو ما يظهر جليا مع عالمنا الجليل (عبد الرحمن الاخضري البنطيوسي البسكري،) فللرجل إسهامات في الفقه والتصوف والمنطق والفلك والبلاغة، وهو ما يؤكده عناية المشارقة والمغاربة بمؤلفاته خصوصا نظمه في المنطق (السلم المنورق في علم المنطق).
  5. انتشار الطرق الصوفية بالجزائر خلال القرن الثامن والتاسع الهجريين، وازدهاره مع بداية الحكم العثماني خلال القرن 16م، الموافق للعاشر الهجري، ومن أشهر الطرق الصوفية انتشارا بالجزائر الشاذلية والقادرية، وقد كان عبد الرحمن الاخضري على مشرب الطريقة الشاذلية.
  6. التعامل الموضوعي مع المُعطى المعرفي خلال القرن العاشر الهجري، وهو ما تؤكده القرا ءة النقدية لعبد الرحمن الأخضري لواقع التصوف في عصره، من خلال تسليطه الضوء على الانحراف الذي وصلت إليه بعض الطرق الصوفية في عصره.
  7. الخط النقدي الممتد من القرن التاسع الهجري مع والد عبد الرحمن الأخضري (محمد الصغير) إلى القرن الحادي عشر الهجري، الذي مثله الشيخ عبد الكريم الفكون (ت1073هـ،) بكتابه منشور الهداية، الذي كشف فيه ُمدعي العلم والولاية.
  8. إسهام الحكم العثماني في ازدهار التصوف والطرق الصوفية بالجزائر، وهو ما تشهد به أغلب المدونات التي ظهرت وانتشرت مع بداية القرن السادس عشر ميلادي إلى منتصف القرن التاسع عشر ميلادي.
  9. تأثر التصوف الإسلامي بالأوضاع الاجتماعية وامتزاجه بكثير من الأعراف والعادات والتقاليد والفلكلور الشعبي، مما أسهم في خلق إضافات وزيادات لم تكن موجودة فيه من قبل، ومثال ذلك ما انتقده عبد الرحمن الأخضري على بعض الطرق
    الصوفية في ُطرق الذكر من رقص وصرا خ وتصفيق.
  10. أهمية النقد الداخلي للتصوف ،فعبد الرحمن الأخضري كان صوفيا على مشرب الطريقة الشاذلية ،وهو عامل مهم ُيسهم في القرا ءة الموضوعية الواعية والداخلية للتصوف الإسلامي ،وهو مسلك نقدي تفتقر إليه مختلف المدارس والاتجاهات ،فمن شأن هذه القرا ءة أن ُتسهم في إعادة بناء التصوف وتصحيح مساره ،كما يمكن أن ُيساهم في إنتاج أحكام نقدية آمنة بناء على قاعدة الشيخ زروق الفاسي البرنسي [الحكم عن الشيء فرع عن تصور ماهيته]،وهو عامل مهم من شأنه أن ُيساهم في إبعاد القراءات المتهافتة للتصوف الإسلامي والتي تفتقر إلى رؤية متكاملة منهجا وموضوعا.
  11. تجلي خاصية التصوف السلوكي عند متصوفة المغرب الإسلامي، وهو مؤشر يشهد عليه تحذير الأخضري من الخروج عن حدود الشريعة وأحكامها، وحث السالك على تطهير باطنه والتحلي بمكارم الأخلاق، والوقوف عند الأمر والنهي.
  12. ثنائية الشريعة والحقيقة، أو ما ُيمكن أن نطلق عليه بالتكامل بين الفقه والتصوف، وهو تأكيد للمرجعية المعرفية عند علماء المغرب الإسلامي، التي أكد عليها علماء المغرب الإسلامي وأضحت شعارا ُمجسدا للهوية والتاريخ: في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك
    وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين

المصدر:

د. معمر قول 2020 .  الذكر حقيقته وشروطه عند عبد الرحمن الأخضري البسكري(ت 953 هـ).

تحميل الملف كامل PDF.

السابق
التعريف بمنظومة القدسية في التصوف
التالي
مفهوم قضاء استعجال التسبيق المالي

اترك تعليقاً