علوم قانونية

الشروط الموضوعية لقضاء الاستعجال التسبيقي

الشروط الموضوعية لقضاء الاستعجال التسبيقي

أوردت المادتان 942من ق.إ.م.إ و R.541-1من قانون العدالة الإدارية الفرنسي شرطا موضوعيا وحيدا لقضاء الاستعجال التسبيقي هو عدم وجود منازعة جدية حول وجود الدين أو الالتزام، أما شرط الاستعجال فلا يعتبر متطلبا موضوعيا لهذا القضاء.

أولا- غياب شرط الاستعجال

لم تقيد المادتان 942من ق.إ.م.إ و R.541-1من قانون العدالة الإدارية الفرنسي قضاء الاستعجال التسبيقي بتوافر شرط الاستعجال، مما يعني أنه يمكن لقاضي الاستعجال أن يمنح التسبيق المالي المطلوب للمدعي دونما حاجة إلى وجوب تبرير ذلك بوجود حالة استعجالية أو ضرورة تستدعي الحصول عليه من المدعي.

ثانيا- شرط غياب منازعة جدية حول وجود الدين أو الالتزام

يعتبر الشرط الموضوعي الوحيد لقضاء الاستعجال التسبيقي، قرره المشرع الجزائري في المادة 1/942من ق.إ.م.إ والمشرع الفرنسي في المادة R.541-1الفقرة الأولى من قانون العدالة الإدارية.

1 . مفهوم شرط غياب منازعة جدية حول وجود الدين

يقصد بشرط غياب منازعة جدية حول وجود الدين، أن يكون الالتزام بالدفع في ذمة الشخص العمومي المدعى عليه ثابتا أو غير منازع فيه بصفة جدية n’est pas sérieusement contestable وعليه، لا يكفي لانتفاء هذا الشرط أن يكون الالتزام منازعا فيه، بل يتعين أن تكون هذه المنازعة جدية.

وقد اعتبر الفقه والقضاء الإداريان في فرنسا أن عبارة “عدم وجود منازعة جدية” تضع التزاما على قاضي الاستعجال بألاّ يمنح التسبيق المالي للمدعي إلاّ إذا ثبت له تأكد وجود الدين المدعى به، حيث يقول السيد Vallée أنه: “إذا كان قاضي وقف التنفيذ
الاستعجالي هو قاضي الظاهر، فإنه في مجال قضاء الاستعجال التسبيقي، يقترب هذا الظاهر من اليقين: يتعين لمنح التسبيق المالي إلى الدائن أن تكون احتمالية وجود الالتزام غير المنازع فيه بصفة جدية مؤكدة” ،
وفي نفس السياق، ترى السيدة Rouaultأنه يجب لقيام هذا الشرط، ومن ثم تبرير منح التسبيق المطلوب، ألاّ يتكون في ذهن القاضي أي شك حول وجود الدين.

يمتاز شرط غياب المنازعة الجدية بهذا المعنى بالذاتية، لذلك يتعين تقديره من طرف القاضي بصفة ملموسة، أي حالة بحالة، وبحسب ظروف وملابسات كل قضية.

2. إثبات شرط غياب منازعة جدية حول وجود الدين

تطبيقا للقواعد العامة، يقع على المدعي في طلب التسبيق المالي إثبات أن الدين الذي يدعيه غير منازع فيه بصفة جدية، بينما يقع على المدعى عليه عبء إثبات أن الالتزام بالدفع الذي يستند إليه المدعي تعتريه منازعة جدية، وذلك من خلال البرهنة على أن الدين المدعى به ليس له وجود قانوني أو مادي، كما يمكنه أن يؤسس هذه المنازعة ليس على وجود الدين في حد ذاته وإنما على مبلغه.

3 . تقدير شرط غياب منازعة جدية حول وجود الدين

إذا كانت مهمة إثبات قيام أو غياب شرط المنازعة الجدية حول وجود الدين تقع على عاتق الأطراف، فإن مهمة تقديره تقع على القاضي، الذي يقوم بها بناء على ما قدمه الخصوم من أسانيد مثبتة أو نافية لهذا المتطلب، وما يتضمنه الملف من وثائق.

ويقوم القاضي بتقدير هذا الشرط على مرحلتين، حيث يتأكد أولا من تحديد المدين، ثم ينتقل إلى بحث مدى وجود الدين.

1-3 . انتفاء شرط غياب منازعة جدية حول وجود الدين لعدم تحديد المدين

يتعين ابتداء لقيام شرط غياب منازعة جدية حول وجود الدين المبرر لمنح التسبيق المالي المطلوب من المدعي، أن يكون المدين محددا بصفة مؤكدة. تطبيقا لذلك، قضى مجلس الدولة الفرنسي في قرار له صدر بتاريخ 3ديسمبر 2003 برفض طلب التسبيق المالي تأسيسا على أن المدين غير قابل للتحديد بصفة مؤكدة في هذه القضية، إذ يحتمل أن يكون الدولة أو شركة للاقتصاد المختلط.

غير أن المجلس ذاته صرح في قضايا لاحقة بتوافر شرط غياب المنازعة الجدية المبرر لمنح التسبيق حتى في الفرضية التي يكون فيها المدين غير محدد بصفة مؤكدة، وذلك إذا تكشف للقاضي من عناصر الملف أن الأمر يتعلق بأشخاص عمومية. بمعنى أن التحديد المؤكد للمدين لا يؤخذ بعين الاعتبار عند تقدير شرط عدم وجود منازعة جدية حول الدين إلاّ في الحالة التي يكون فيها المدينون المحتملون من طبيعة قانونية مختلفة (أشخاص قانون عام وأشخاص قانون خاص) كما في القرار المذكور أعلاه.

وعموما، استقر القضاء الإداري الفرنسي على أن متطلب عدم وجود منازعة جدية حول الدين ينتفي في حالتين هما:

  • إذا كان هناك خلط للأشخاص ،confusion des personnesناتج سواء عن الخلط بين الشخص الطبيعي والشخص المعنوي الذي يسيره، أو عن عدم التحديد المؤكد لهوية المدين، لاسيما في حالات الميراث أو التنازل أو تحويل المؤسسة؛
  • إذا قام المدعي بتحديد مدين معين يعتبره المسؤول عن الأضرا ر اللاحقة به، غير أنه يتبين من التحقيق أن هذه الأضرا ر، أو على الأقل جزءا معتبرا منها، ناتجة عن سبب خارجي (قوة قاهرة مثلا).

2-3 . انتفاء شرط غياب المنازعة الجدية لعدم وجود الدين

إذا تأكد القاضي من تحديد المدين، انتقل إلى بحث مدى جدية المنازعة حول الدين في حد ذاته، وفي هذا الإطار، قد تنصب المنازعة على مقدار الدين le montant du créanceأو على وجوده .son existenceبالرجوع إلى نص المادة 2/942من ق.إ.م.إ نجدها تنص على أنه: ” ويجوز له (القاضي) ولو تلقائيا، أن يخضع دفع هذا التسبيق لتقديم ضمان”، مما يستفاد منه أن القاضي يمكنه في حالة المنازعة حول مقدار الدين أن يجيب المدعي إلى طلبه بمنح التسبيق مع إخضاع هذا المنح لتقديم ضمان مو ّجه لتأمين حقوق المدعى عليه إذا تأكدت منازعته لاحقا أمام قاضي الموضوع.

أما بالنسبة للمنازعة في وجود الدين، فينبغي أن يثبت للقاضي جديتها حتى يرفض طلب المدعي بمنح التسبيق المالي، مستعينا في ذلك بعدة وسائل أو قرائن تختلف بحسب طبيعة النزاع، نذكر منها:

* في مادة المسؤولية

اعتبر التزاما غير منازع فيه بجدية، الالتزام:

  • المؤسس على نظام المسؤولية على أساس المخاطر، حيث وبحكم اعتبارها مسؤولية غير خطيئة، فإن الالتزام بالتعويض ثابت فيها بمجرد تحقق الضرر المطلوب؛
  • المؤسس على نظام المسؤولية القائمة على أساس الإخلال بمبدأ المساواة أمام الأعباء العمومية؛
  •  الناتج عن خطأ منسوب إلى سوء تنظيم المرفق العمومي (في مجال المسؤولية الطبية مثلا).
  • المؤسس على عدم مشروعية قرار إداري سواء كان إيجابيا أو سلبيا (قرار بالرفض)،

حيث يعمد قاضي الاستعجال في هذه الحالة أولا إلى تقدير مشروعية القرار، فإذا عاين عدم مشروعيته، قضى بتوافر شرط غياب منازعة جدية حول وجود الدين.

وقد ميز مجلس الدولة الفرنسي في هذا الإطار بين أوجه المشروعية الداخلية وأوجه المشروعية الخارجية للقرار، هذه الأخيرة وبحكم قابليتها للتصحيح أو التغطية، لا تكفي  لاعتبار الالتزام غير منازع فيه بجدية، وهو ما نطق به المجلس في قرار له صدر بتاريخ 26 فيفري  2007، حيث رفض طلب التسبيق الذي تقدم به المدعي، تأسيسا على أن القرار الإداري الذي يستند إليه هذا الطلب ألغي لعيب في الشكل، ومن ثم ليس هناك ما يمنع الجهة الإدارية (وزير الدفاع في هذه القضية) من إعادة إصدار القرار بالمضمون نفسه.

* في مادة الصفقات العمومية
  • اعتبر الالتزام بالدفع المحتج به من صاحب الصفقة غير منازع فيه بجدية إذا شكل مقابلا للخدمات المؤداة تطبيقا لبنود الصفقة.
  • في مجال الدفعات على الحساب les acomptes ،يمكن لصاحب الصفقة في حالة رفض الجهة الإدارية دفعها له، أن يطلب من قاضي الاستعجال منحه تسبيقا عنها. غير أنه إذا ثبت للقاضي من التحقيق أن المدعي يمكن أن يتعرض إلى عقوبات مالية نتيجة التأخر في تنفيذ الصفقة، فإنه يقضي برفض طلب التسبيق لقيام منازعة جدية حول وجود الدين.

 

* في مادة الوظيفة العمومية

اعتبر التزاما غير منازع في وجوده بصفة بجدية:

  • المرتبات التي اعترفت الإدارة بأن صعوبات في التسيير هي التي أ ّدت إلى عدم دفعها في الوقت المحدد؛
  • المرتب المضمون بمقتضى نص قانوني .

المصدر:

د/.بشير الشريف شمس الدين و د/.لعقابي سميحة 2020 .  قضاء الاستعجال في مادة التسبيق المالي: مقاربة مقارنة بين القانونين الجزائري والفرنسي.

تحميل الملف كامل PDF.

السابق
مفهوم قضاء استعجال التسبيق المالي
التالي
تقديم طلب استعجال التسبيق المالي

اترك تعليقاً