علم الاجتماع

عوامل ظهور قضية اللاجئين الفلسطينيين

عوامل ظهور قضية اللاجئين الفلسطينيين

ارتبطت قضية اللاجئين الفلسطيين بالتهجير القسري الذي مارسته الحركة الصهيونية؛ التي ارتكزت في ذلك على عدة مبرارت تاريخية وانسانية واجتماعية وكل هذه المبررات لم تحد ولم تتملص عن البعد الديني، ولأهمية الجانب الديني الذي استندوا إليه في كل مشاريعهم في إنشاء دولتهم المزعومة، بعد إخراج الشعب العربي منها عنوة، ذلك أن كتابهم المقدس” العهد القديم،” يعتقد أن هذه “فلسطين ” هي أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم وهي ارض الميعاد، ومسموح لهم بطرد من عليها ليستقروا مكانه.

فقد ورد في سفر التكوين ؛ الإصحاح الخامس عشر: ” في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقا قائلا لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات”.

وهذا البعد الديني يزيد من صعوبة ودقة القضية الفلسطينية عموما ويجعلها من أندر القضايا في تاريخ العلاقات الدولية، إذ لم يسبق أن أخرج شعب بأسره من دياره ليحل محله شعب مستورد ودخيل على أساس ديني بحت .

وايمانا منها بقداسة نصوصهم الدينية مارست إس ارئيل عدة أساليب واست ارتيجيات لتحقيق أهدافهم الرئيسية وعلى رأسها إقامة دولة إسرائيل الكبرى وتجميع شتات اليهود عليها، وذلك منذ 15 ماي 1948.

إن الكتابات والدراسات التاريخية عديدة حول الجرائم ضد الإنسانية وضد المجتمع الفلسطيني قصد تهجيره من أرضه والبقاء بدله في أرضه والاستفادة من أرزاقه وخيرات أرضه ويصبح الشعب اليهودي الأصل في تلك البقعة.

ففي 17 أفريل 1948 اتبعت إسرائيل خطة تقضي بتهجير أهل طبريا ، وتسليم المدينة لليهود واجلاء العرب منها بحجة أن هؤلاء أقلية يخشى عليهم من الأكثرية اليهودية.
وفي ذات السياق نزح أكثر من 70 ألف عربي من حيفا ،في 21/04/1948 نحو لبنان وعدت بذلك أول دفعة كبيرة في قائمة لاجئي فلسطين. وعن قصة تهجير وترحيل أهل حيفا، تروى شهادات حية نذكر منها”: قام الجيش البريطاني بدور فعال في ترحيل العرب من حيفا برا إلى جنين والناصرة وبحرا إلى عكا ولبنان؛ وفتحوا لهم أبواب الميناء وطلبوا منهم أن يلجأوا داخلا إلى ساحات الميناء وعندما أصبحوا في داخل الميناء أقفلوا الميناء وأقفلوا البوابات ومنعوهم من الخروج وأجبروهم على مغادرة حيفا بحرا”.

كما شهدت يافا في 24/04/1948 نزوح حوالي 60 ألف عربي أغلبهم نحو غزة وبعضهم إلى شرق الأردن، وتم تسليم يافا إلى اليهود كليا قبل 15/05/1948.

نتيجة للسياسات الإسرائيلية والإرهاب الصهيوني، ورفضهم لفكرة بقاء الفلسطينيين على أرضهم حتى لا يعيقونهم تكوين دولتهم، وفي هذا الصدد كتب يوسف فايتسن، المسؤول الإداري عن إنشاء المستعمرات الاستيطانية سنة 1940 يقول”: لا بد أن يكون واضحا فيما بيننا أنه لا مكان للشعبين معا في هذا البلد…وأننا لن نستطيع أن نصل إلى هدفنا في أن نصبح شعبا مستقلا طالما أن العرب موجودون في هذا البلد. ولذا فإن الحل الوحيد هو فلسطين، أو على الأقل فلسطين الغربية، (غرب نهر الأردن) بلا عرب.. وليس هنالك من سبيل إلا تهجير العرب من هنا إلى البلاد المجاورة، تهجيرهم جميعا، بحيث لا تبقى قرية واحدة… فلا يمكن لهذه البلاد أن تستوعب الملايين من إخواننا إلا بعد هذا التهجير، وليس هناك من حل”.

كما تذكر بعض كتب التاريخ حول فضاعة الجرائم الإسرائيلية التي أدت إلى بروز قضية اللاجئين، فيذكر الدكتور أبو ستة، في كتابه حق العودة مقدس وقانوني وممكن، نقلا عن عوني فرسخ”: كانت القوات الإسرائيلية تطوق القرية من ثلاث جهات، وتترك الرابعة مفتوحة، وتجمع النساء والأطفال في مكان منعزل، ثم تطرد النساء والأطفال في اتجاه لبنان، بعد أن يسرق الجنود المصاغ والنقود. أما الرجال فينتقى منهم عدد يرمى بالرصاص في دفعة واحدة، أو عدة دفعات، ويؤمر بعضهم بحفر القبور لدفن الجثث، ويؤخذ الأقوياء منهم إلى معسكرات سخرة ليقوموا بنقل أحجار المنازل العربية المهدمة، حيث يبقون هناك لعدة شهور. ويطرد الآخرون مشيا على الأقدام نحو حدود لبنان، أو ينقلون بالسيا ارت إلى اللجون، ثم ُيطردون بإطلاق الرصاص فوق رؤوسهم إلى خطوط القوات العراقية، بعد نهب ما يحملونه من نقود أو ساعات. هذا الأسلوب الثابت لا يختلف إلا قليلا هنا أو هناك، ما يجعل الادعاء بأن هذه الفظائع فردية أو عارضة أو طارئة لظروف الحرب محض هراء” .

شهد الشعب الفلسطيني استنزافا بشريا كبيرا وموجات بشرية بأعداد كبيرة، نحو أراضي أخرى غير فلسطين، نحو غزة ولبنان وسوريا والأردن بشكل أساسي، ولقد قسمت موجات اللاجئين الفلسطينيين إلى مراحل ثلاث، على النحو التالي:

المرحلة الأولى:

بدأت في الفترة ما بين ديسمبر 1947 ومارس 1948 وذلك عقب صدور قرار التقسيم في 1947/11/29 إذ تكونت خلايا رافضة للأمر، وبالمقابل حدثت هجرة جماعية عن طواعية من طرف أثرياء العرب إلى خارج البلاد لتفادي ما ق يصيبهم من رد الفعل اليهودي على أمل العودة إليها بعد الاستقرار، وقدر عددهم في هذه المرحلة بحوالي 30 ألف من سكان القدس وحيفا ويافا.

المرحلة الثانية:

تبدأ في الفترة مابين 15 أفريل و ماي 1948 ، نتيجة للممارسات الصهيونية العنيفة تجاه السكان بمختلف فئاتهم ، غادر نحو 250 ألف من الطبقة المتوسطة إكراها مدنهم الفلسطينية يافا، حيفا، طبريا، وغيرها من المدن، ومنهم أعضاء اللجنة العربية العليا وأعضاء السلطات المحلية والقادة المحليون وملاك الأراضي الزراعية، والتجار والأطباء والمحامون والمعلمون.

المرحلة الثالثة:

تأتي بعد 15 ماي 1948 وهو تاريخ إعلان قيام الكيان الإسرائيلي، وما تبعه من ممارسات أخرى اضطهادية وعنيفة تمسك بموجبها الطرف الإسرائيلي برغبته الجامحة في افتكاك كل الأراضي العربية والاستيطان عليها لصالح اليهود، وبذلك تعاظمت هزيمة العرب مما اضطرهم إلى ترك ديارهم.

وعندما انتهت الحرب في أوائل 1949 كان الصهاينة قد احتلوا %77 من أراضي فلسطين على الرغم من أن مشروع التقسيم يعطيهم %57 منها فقط.ولم يتوقف الصهيانية عند هذا الحد بل طال حيفهم حتى المزارع والمصانع، والحيوانات والآلات، المنازل الجميلة والأثاث والسجاد ، وكل الأمتعة الثمينة التي تعتز بها العائلات وتتوارثها.

وقد بلغ عدد أفراد الشغب العربي الفلسطيني الذين لجأوا إلى خارج الديار حوالي مليون عربي في شهر أفريل 1949 ووفق الإحصاء الذي أجرته وكالة إغاثة اللاجئين الانوروا في أفريل 1950 بلغ عدد اللاجئين حوالي: 924671 لاجئ، ووفق ذات الوكالة أصبح عدد اللاجئين سنة 1958 حوالي 923958 لاجئ.

وعلى الرغم من الممارسات الإسرائيلية العنيفة تجاه أهالي البلدات والمدن والقرى الفلسطينية، إلا أن إسرائيل تهربت من مسؤوليتها أمام المجتمع الدولي من ما حدث وألقت باللوم على الزعماء العرب و الدول العربية و على البريطانيين بل على اللاجئين أنفسهم، وفي هذا الشأن قال بن غوريون أمام الكنيست الإسرائيلي سنة 1961 ما يلي”: بدأ رحيل العرب من إسرائيل بعد قرار الأمم المتحدة – قرار التقسيم- . وفي حيازتنا وثائق صريحة تشهد على أنهم غادروا فلسطين بناء على تعليمات من الزعماء العرب، وعلى رأسهم المفتي ،وعلى أساس الفرضية القائلة إن هجوم الجيوش العربية سيقضي على الدولة العبرية ويرمي اليهود جميعا في البحر” ،  وبخصوص مسؤولية الدول العربية حسب الرؤية الإسرائيلية، فإن الصحفي البريطاني ”
ارسكين تشيلدرز:” ” ليس هناك أمر أو نداء واحد بشأن الجلاء أذاعته أي محطة عربية داخل فلسطين أو خارجها في عام ،1948 بل قد وجدت تسجيلات لنداءات عربية ، بل أوامر صريحة موجهة إلى المدنيين في فلسطين بأن يبقوا حيث هم”
.

وقد أكد المؤرخ الإسرائيلي بني موريس، مسؤولية إسرائيل في حدوث أزمة اللجؤ، من خلال حواره في جريدة هآرتس، فهو يقرر أنه كانت هناك مجازر إسرائيلية أكثر مما كان يعتقد في السابق، وأنه كانت هناك الكثير من حالات الاغتصاب، وأنه في أفريل 1948 صدرت أوامر عملية لوحدات الهاغاناه نصت صراحة على اقتلاع الفلاحين وطردهم من القرى.

وأوضح بني موريس في ذات الحوار أن ذلك لا يمكن أن يكون محض الصدفة، وانما هو عمل منظم، وأن أوامر الطرد التي تلقاه الضباط تتيح لهم القيام بهذه الأعمال من أجل حمل الناس على الرحيل.كما أن بن غوريون وفر تغطية شاملة للضباط على ما اقترفوه من جرائم.

وخلافا للإدعاءات الصهيونية يقول الحاج أمين الحسيني في مذكراته”: إن الهيئة العربية العليا لفلسطين كانت شديدة الحرص على استبقاء الفلسطينيين في بلادهم مهما كانت الظروف، فأرسلت بلاغا عاما إلى جميع اللجان القومية في البلاد تطلب منها أن لا تسمح لأي فلسطيني بمغادرة بلاده، إلا لطالب يسافر للالتحاق بجامعته، أو مريض مضطر للمعالجة الضرورية، وحظرت الهيئة على أهل البلاد مغادرتها فرادى أو جماعات”.

المصدر:

د: ثامر محمد عبد الرؤوف 2014 . المجتمع الدولي والقضايا الإنسانية قضية اللاجئين الفلسطينيين– نموذجا.

تحميل الملف كامل PDF.

السابق
التعريف القانوني والإنساني لقضية اللاجئين
التالي
إجراءات المجتمع الدولي لمعالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين

اترك تعليقاً